خرج علينا أحد أساتذة الجراحة فى التسعينيات بخبر أثار جدلًا واسعًا، عندما أعلن نجاح تجاربه فى علاج الآلام المزمنة عن طريق حقن اللبن فى العضل. وبالطبع ثبت لاحقًا أن الأمر لم يكن سوى ضجة إعلامية بلا أساس علمى حقيقي، إذ لم تكن هناك أى أبحاث موثقة ولم يتجاوز الأمر حدود المؤتمر الصحفى الذى أُعلن فيه ذلك «الاكتشاف».
ومنذ سنوات طويلة ونحن نسمع عن الكثير من مثل هذه الفتاوى والخزعبلات المتعلقة بالصحة والشفاء، والمثير أن هذه البدائل العلاجية لا تنتشر فى مصر وحدها، بل تجد لها أنصارًا فى مجتمعات كثيرة حول العالم، خصوصًا بين من يفقدون الأمل فى الطب التقليدى أو يبحثون عن علاج «سحري» سريع.
وأذكر جيدًا حضورى مؤتمرًا فى ألمانيا عن العلاج بالهوميوباثي، حضره عدد كبير من الأطباء المؤمنين بهذا الاتجاه العلاجي. وتعتمد فلسفة الهوميوباثى على فكرة تشبه المثل الشعبى القائل: “داويها بالتى كانت هى الداء”، أى إعطاء المريض جرعات شديدة التخفيف من المادة المسببة للمرض. لكن منظمة الصحة العالمية أكدت أن هذا الأسلوب يفتقر إلى الأدلة العلمية الكافية، وقد يؤدى إلى تأخير العلاج الطبى الصحيح.
وكذلك كان الحال مع الإبر الصينية التى اجتاحت العالم فى فترة من الفترات، رغم أنها ممارسة تعود إلى آلاف السنين فى الصين واستخدموه فى فترة ما كمخدر عند اجراء الجراحات. وقد آمن الصينيون بأن الجسم يحتوى على مسارات للطاقة تُعرف باسم «تشي»، وأن غرس الإبر فى نقاط معينة يعيد التوازن إلى تلك الطاقة. أما التفسير العلمى الحديث فيرجح أن الوخز قد يساعد على إفراز مادة «الإندورفين» المسكنة للألم، كما يخفف من تقلص العضلات الذى يكون أحيانًا السبب الحقيقى للمعاناة.. وفى المقابل، لا يمكن إنكار أن الطب الشعبى كان جزءًا أصيلًا من حياة المصريين، خاصة فى الفترات والأماكن التى غابت فيها الخدمات الطبية الحديثة. فقد اعتمد الفلاح المصرى على الأعشاب والوصفات المنزلية المتوارثة مثل الحلبة واليانسون والثوم والعسل، إلى جانب «المجبِّر» لعلاج الكسور، والحجامة والكى فى بعض الآلام المزمنة. كما لعب العطار دورًا محوريًا فى علاج المصريين لعقود طويلة، بل لقرون، باعتباره «صيدلية الناس» قبل انتشار الأطباء والصيدليات الحديثة، خاصة فى القرى والأحياء الشعبية. فالعطار لم يكن مجرد بائع للأعشاب والتوابل، بل كان يُنظر إليه بوصفه صاحب خبرة فى التداوى الشعبي. وكان يعتمد على وصف خلطات من الأعشاب والزيوت الطبيعية إضافة إلى البخور والعطور وبعض الوصفات ذات الطابع الروحى أو الشعبي.
أما البدو فى سيناء والصحراء الغربية، فقد ارتبط علاجهم بالنباتات الصحراوية مثل الشيح والقيصوم والميرمية، إضافة إلى التداوى بألبان الإبل والرمال الساخنة والعيون الطبيعية.
وقال لى ذات يوم شاب من سيناء: «إحنا كلنا هنا صحتنا حديد لأننا بنشرب لبن الإبل»، وهو اعتقاد راسخ لديهم، تماما كما يؤمن البعض فى أسوان بفوائد «الحلفا بر» لعلاج الجهاز البولي، أو الصمغ العربى لمرضى الكلي، أو حبة البركة التى أثبتت الدراسات الحديثة بالفعل احتواءها على مضادات أكسدة مفيدة.
ويعد الشيخ أحمد الجبالى رحمه الله واحدا من أشهر رموز التداوى بالأعشاب فى سيناء، بل إن كثيرين كانوا يطلقون عليه لقب “حكيم البادية” أو «حكيم سيناء”. وقد ذاع صيته بين البدو والزائرين المصريين والأجانب، لاعتماده على الأعشاب الجبلية والنباتات الطبية التى تنمو فى بيئة سيناء الفريدة والتى كان يعلمها جميعا بل يحنو عليها كما شاهدته عندما اصطحبنى الى الوادى .
وتظل الكى والحجامة من أقدم وسائل العلاج الشعبى انتشارًا بين المصريين، مرتبطين بالموروث الدينى والخبرة المتناقلة عبر الأجيال، وإن كان الطب الحديث يحذر من الممارسات الخاطئة وغير الآمنة فيهما.. كان هدفى من هذا المقال أن أتحدث عن «فتاوي» الطعام والتغذية التى أصبحت تملأ الشاشات ومواقع التواصل الاجتماعي، والتى لا تقل خطورة عن فتاوى العلاج والدواء، لكن المساحة والوقت سرقاني، ولعل لنا عودة إليها فى الأسبوع القادم ان شاء الله.









