أكد الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، على عمق ومتانة العلاقات الاستراتيجية التي تربط بين مصر وإريتريا. جاء ذلك خلال المؤتمر الصحفي المشترك الذي عقده وزير الخارجية، اليوم الأربعاء، مع نظيره الإريتري “عثمان صالح”، في ختام مباحثاتهما الرسمية بمقر وزارة الخارجية بالعاصمة الإدارية الجديدة.
ورحب الوزير عبد العاطي بنظيره الإريتري والوفد المرافق له، مشيراً إلى أن هذه الزيارة تأتي في إطار الزيارة الرئاسية الناجحة والهامة التي يقوم بها حالياً الرئيس الإريتري “أسياسي أفورقي” إلى القاهرة.
وأبرز عبد العاطي، في هذا الصدد، جولة المشاورات المثمرة التي عُقدت الإثنين الماضي بالقاهرة بين الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره الإريتري؛ حيث جرى التأكيد على تميز العلاقات الثنائية ومتانتها سياسياً، فضلاً عن توافق الرؤى الكامل حيال القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
ونوه وزير الخارجية بالطفرة الكبيرة التي تشهدها العلاقات المصرية الإريترية مؤخراً عبر تبادل الزيارات الرفيعة، لاسيما زيارة الرئيس السيسي التاريخية إلى إريتريا في أكتوبر 2024، وزيارة الرئيس أفورقي إلى مصر في نوفمبر الماضي لحضور افتتاح المتحف المصري الكبير، وصولاً إلى زيارته الحالية الرامية لتعزيز أطر التعاون.
شراكة اقتصادية وثلاثية واعدة
وتلا وزير الخارجية البيان المشترك الذي تم التوافق عليه خلال المباحثات؛ والذي تضمن زيادة وتيرة الزيارات المتبادلة، وتوظيف الزخم الحالي للارتقاء بالعلاقات، والاستفادة من الفرص الكامنة لدفع التعاون الاقتصادي والاستثماري، بالإضافة إلى إقامة شراكة ثلاثية تجمع مصر وإريتريا والقطاع الخاص في البلدين بمجالات نوعية محددة.
وأشار إلى أن الرئيس “أفورقي” قام خلال تواجده بمصر بزيارة تفقدية شملت “مدينة الدواء”، وميناء السخنة، والمنطقة الصناعية بالسخنة، كما زار اليوم العاصمة الإدارية الجديدة، حيث تم الاتفاق بين الجانبين على تطوير التعاون المشترك في مجال الإسكان الاجتماعي.
رؤية موحدة لإنهاء أزمة السودان
ورداً على سؤال حول مستوى التنسيق السياسي والأمني والاقتصادي، وبلورة رؤية مشتركة للأزمة السودانية باعتبار مصر وإريتريا الدولتين الأكثر تأثراً بها، أوضح الدكتور بدر عبد العاطي أن هناك طفرة حقيقية في العلاقات بين البلدين تأتي بناءً على توجيهات مباشرة من الرئيس السيسي والرئيس أفورقي.
ولفت إلى أن الزيارة الحالية شهدت لأول مرة الاتفاق على أطر وآليات تنفيذية محددة في مجالات حيوية كالثروة السمكية، والحيوانية، والتعدين، والبنية التحتية. وأضاف أن الجانب الإريتري أكد قناعته الكاملة بأن مصر شريك استراتيجي، وأن خبرة الشركات المصرية -في ظل عملية التحديث الشاملة التي تشهدها البلاد- تؤهلها لتكون شريكاً أساسياً في عملية التنمية التي يقودها الرئيس أفورقي.
وحول ملف السودان، أكد عبد العاطي أن الأزمة كانت حاضرة بقوة في المباحثات؛ حيث تم التوافق على رؤية مشتركة للحل تشمل إقرار هدنة إنسانية، ووقفاً فورياً لإطلاق النار، ورفض أي كيانات موازية، مع التأكيد الصارم على وحدة السودان وسلامة أراضيه، والرفض الكامل لأي مخططات تستهدف التقسيم.
المفاوضات الفلسطينية: رفض التصفية والتهجير
وفيما يتعلق بمفاوضات الفصائل الفلسطينية التي تستضيفها القاهرة برعاية مصرية ووساطة قطريّة وتركيّة، أكد وزير الخارجية أن الاتصالات المصرية لا تتوقف على مدار الساعة. وأوضح أن هذه الجولات التفاوضية تعكس حرص الوسطاء الثلاثة على إنقاذ عملية السلام وإبقاء “خطة ترامب” على الطاولة كأرضية للحوار، ورفض أي تصعيد إسرائيلي يسعى للاستيلاء على مزيد من الأراضي في غزة.
وأشار عبد العاطي إلى أن الحوار يركز حالياً على استكمال استحقاقات المرحلة الأولى التي لم تكتمل بعد، مثل زيادة تدفق شاحنات المساعدات وإعادة تأهيل المستشفيات، وذلك تمهيداً للانتقال إلى المرحلة الثانية القائمة على الانسحاب الكامل من غزة، وحصر السلاح وجمعه عبر اللجنة الفلسطينية المعنية، وتوقيت دخول اللجنة الوطنية لغزة ونشر قوة الاستقرار.
وشدد الوزير على أن هذا الدور المباشر يعكس الحرص والدور القيادي المصري لاستكمال ما تم إنجازه سابقاً في قمة شرم الشيخ، مؤكداً الرفض التام لتصفية القضية الفلسطينية أو التهجير (القسري أو الطوعي)، والعمل الدؤوب لتوفير الحد الأدنى من سبل العيش الكريم للأشقاء في غزة والضفة، وصولاً لتمكينهم من حقوقهم المشروعة وإقامة دولتهم المستقلة.
قمة إفريقية تنسيقية ومنتدى لرجال الأعمال بمصر
ورداً على سؤال لـ«الجمهورية» حول القمة الإفريقية التنسيقية لمنتصف العام التي ستستضيفها مصر، كشف الدكتور بدر عبد العاطي عن وجود اتصالات مكثفة تجرى حالياً مع رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي وأعضاء مكتب قمة الاتحاد، للتدارس حول المواعيد المقترحة لعقد القمة، على أن يتم الإعلان عنها في حينه.
وأوضح الوزير أن القمة ستشهد حزمة واسعة من الأنشطة الرفيعة، من بينها عقد الجمعية العمومية لكل الدول الأعضاء في البنك الإفريقي للتنمية. كما كشف عن مقترح لعقد “قمة لرجال الأعمال” ستكون الأولى من نوعها في إطار الاتحاد الإفريقي، لتمثل فرصة حقيقية لتعزيز الشراكات بين القطاعات الخاصة الإفريقية وتعميق حوار (جنوب – جنوب). وأضاف أن التجربة أثبتت قدرة الدول الإفريقية على تقديم حلول تنموية ذاتية دون الاعتماد على أطراف خارجية، مستشهداً بالنجاح الكبير لمشروع “سد جوليوس نيريري”.
جهود مصرية حثيثة لتطويق الملف الإيراني وتأمين الملاحة
ورداً على سؤال لـ«الجمهورية» حول مخاوف امتداد الصراع بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة إلى مضيق باب المندب والبحر الأحمر وصولاً إلى القرن الإفريقي، في ظل وجود أطماع من أطراف إقليمية ودولية غير مشاطئة، أكد وزير الخارجية: “إننا نعمل ليلاً ونهاراً من أجل التوصل إلى اتفاق حول مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران لوضع حد للحرب، وضمان عدم اتساع رقعتها داخل المنطقة، ولن نألو جهداً حتى نضع حداً لهذا الملف ليتسنى تركيز الجهود على الملف الفلسطيني”.
وشدد الوزير على موقف مصر الثابت والمستقر في القانون الدولي والمتعلق بالالتزام بحرية الملاحة الدولية، والرفض القاطع لقيام أي دولة بعرقلتها.
وفيما يخص احتمالات امتداد الصراع من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر وخليج عدن، أوضح عبد العاطي أن مصر تعمل بشكل وثيق مع المملكة العربية السعودية والدول الشقيقة المشاطئة للبحر الأحمر (إريتريا، السودان، الأردن، الصومال، واليمن) لضمان أمن واستقرار هذه المنطقة الحيوية. وأضاف أن الجهود المصرية تمتد لمعالجة جذور الأزمات، وعلى رأسها الوضع في اليمن، عبر العمل على إطلاق عملية سياسية شاملة تنهي التوتر الراهن.
واختتم وزير الخارجية تصريحاته بالـتأكيد على أن التركيز الحالي ينصب على تفعيل “مجلس الدول العربية والإفريقية المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن” عبر تنسيق يومي ومستمر مع الأشقاء في السعودية وباقي الدول الأعضاء، باعتباره الآلية الأساسية والشرعية والوحيدة لتحقيق الأمن والاستقرار المستدام في المنطقة وضد أي أطماع خارجية.














