استضاف اتحاد الصناعات المصرية، بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (يونيدو) والمجموعة العربية الأفريقية للاستشارات، ورشة عمل موسعة بعنوان «تعزيز التعاون والإدارة والاستدامة في التكتلات الاقتصادية»، بمشاركة ممثلين عن الغرف الصناعية ورؤساء الشعب والمجالس التصديرية وعدد من المصنعين، وذلك لبحث آليات تطوير التكتلات الاقتصادية وتعزيز دورها في رفع تنافسية الصناعة المصرية وزيادة مساهمتها في النمو الاقتصادي. واستعرضت المجموعة العربية الأفريقية للاستشارات، من خلال دراسة أُعدت في إطار مشروع ممول من الاتحاد الأوروبي، سبل تنمية التكتلات الاقتصادية وحوكمتها، وآليات نفاذها إلى الأسواق، وبناء منظومة تنسيق مشتركة لتطويرها، إلى جانب وضع إطار قانوني ييسر عمل التكتلات ويضمن استدامتها بعد انتهاء التمويل الدولي. وركزت الورشة على مفهوم التكتلات الاقتصادية وأهمية حوكمتها من خلال الجهات الداعمة، وفي مقدمتها اتحاد الصناعات والمجالس التصديرية، كما سلطت الضوء على أهمية الإدارة الحيادية والشفافة للتكتلات، ودورها في تعزيز التعاون والابتكار وربط الصناعة بالبحث العلمي، بما يدعم نمو الشركات الصغيرة والمتوسطة. وشهدت جلسات العمل نقاشات موسعة حول أهمية التكتلات الاقتصادية باعتبارها من أكثر النماذج فاعلية في تطوير الصناعة، من خلال تعزيز التعاون بين الشركات العاملة في القطاع الواحد، وتكامل سلاسل القيمة، وتحسين فرص الوصول إلى الأسواق المحلية والدولية، فضلاً عن دعم الابتكار ورفع كفاءة استخدام الموارد. وأكد هشام الجزار، رئيس لجنة المعارض والمشروعات الصغيرة باتحاد الصناعات المصرية، أن بناء الثقة بين المصنعين يمثل الركيزة الأساسية لنجاح التكتلات الاقتصادية، مشيراً إلى أن اللجنة وضعت هذا الملف ضمن أولوياتها منذ انطلاق أعمالها، لما يمثله من أهمية في دعم الصناعة الوطنية وتعظيم الاستفادة من التجمعات الصناعية القائمة بمختلف المحافظات. وأوضح أن التكتلات الاقتصادية لا تقتصر على المناطق الصناعية التي تنشئها الدولة، بل تشمل أيضاً التجمعات الصناعية الطبيعية التي نشأت تاريخياً حول صناعات بعينها، لافتاً إلى أن نجاح هذه التكتلات يرتبط بقدرتها على تعزيز التعاون بين أعضائها رغم المنافسة التجارية القائمة بينهم. وأضاف أن الورشة استعرضت عدداً من التجارب الدولية الناجحة التي نفذتها منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية في دول مختلفة، بهدف الاستفادة من أفضل الممارسات وتطبيقها داخل السوق المصرية. وأشار إلى أن رؤية اللجنة خلال المرحلة المقبلة ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية، تشمل تعزيز التشبيك بين التكتلات الصناعية والغرف الصناعية والموردين ومقدمي التكنولوجيا، وضمان استدامة التكتلات من خلال وجود اتحاد الصناعات كمظلة مؤسسية داعمة، إلى جانب التوسع في إنشاء تكتلات جديدة قائمة على دراسات فنية واقتصادية قابلة للتنفيذ في مختلف القطاعات الصناعية. وأكد الجزار أن نتائج الورشة ستُعرض خلال اجتماع تنسيقي مرتقب مع الجهات الحكومية المعنية، من بينها وزارة الصناعة وجهاز تنمية المشروعات وهيئات الاستثمار والمناطق الحرة، بهدف صياغة سياسات داعمة للتكتلات الاقتصادية وإزالة المعوقات التي تواجه نموها. من جانبه، أوضح الدكتور شريف عبد الجواد، المدير التنفيذي للمجموعة العربية الأفريقية للاستشارات، أن التكتل الاقتصادي يتجاوز مفهوم المنطقة الصناعية التقليدية، ليشمل التكامل الفعلي في سلاسل القيمة والإمداد. وأشار إلى أن التكتلات الاقتصادية تمثل جيلاً جديداً من أدوات التنمية الصناعية، موضحاً أن الفارق الجوهري بينها وبين المناطق الصناعية التقليدية يتمثل في وجود روابط تشابكية حقيقية بين الشركات والجهات الداعمة ومقدمي الخدمات. وأضاف أن التجارب الدولية أثبتت أن المنافسة داخل التكتل الواحد تمثل حافزاً للابتكار وتحسين الإنتاجية، متى توفرت آليات فعالة للتعاون وتبادل المعرفة والخبرات، مؤكداً أن نجاح التكتلات يتطلب وجود كيانات إدارية متخصصة تتسم بالشفافية وتمثل مختلف الأطراف المعنية. وشدد على أهمية تحقيق الاستدامة المالية للتكتلات من خلال تقديم خدمات فنية واستشارية وإدارة الأصول المشتركة، بدلاً من الاعتماد الكامل على المنح والتمويل الخارجي. بدوره، استعرض المهندس أحمد كمال، منسق المشروع الوطني بمنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية في مصر، جهود المنظمة في دعم التكتلات الاقتصادية، مشيراً إلى أن «اليونيدو» تنفذ حالياً 23 مشروعاً تنموياً في مصر بإجمالي تدخلات تتجاوز 50 مليون دولار، من بينها دعم أربعة تكتلات استراتيجية حتى عام 2028. وأوضح أن مشروع «إجارة»، الممول من الاتحاد الأوروبي والممتد حتى عام 2028، يركز على تطوير أربعة تكتلات رئيسية تشمل المنسوجات والملابس الجاهزة بالمحلة الكبرى، وعسل النحل بمحافظة الغربية، والتمور في الوادي الجديد، والنباتات الطبية والعطرية بمحافظة أسيوط. وأكد أن هذه المشروعات تستهدف تعزيز الحوكمة، وتحسين جودة المنتجات، وتطوير قدرات الشركات الصغيرة والمتوسطة العاملة داخل هذه التكتلات، بما يدعم زيادة الإنتاج والتوسع في الأسواق الخارجية. وأضاف أن «اليونيدو» أجرت دراسات تشخيصية لكل تكتل على حدة لتحديد التحديات التي تواجهه، ووضع خطط عمل متخصصة لمعالجة تلك التحديات وتحقيق أهداف التنمية المستهدفة. وخلال جلسات النقاش، أكد المشاركون أهمية التكتلات الاقتصادية في مواجهة عدد من التحديات التي تواجه الصناعة المصرية، وفي مقدمتها تراجع مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب وجود طاقات إنتاجية غير مستغلة في العديد من المصانع. كما استعرضوا فرص إنشاء تكتلات جديدة في عدد من القطاعات الواعدة، من بينها الصناعات المغذية للسيارات، وصناعة السفن، والأثاث، والصناعات الطبية، مؤكدين أن تعزيز التشبيك بين المصانع والموردين ومراكز البحث العلمي يسهم في رفع معدلات التصنيع المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات. ودعا المشاركون إلى تعزيز التعاون بين المصانع بما يحد من الطاقات الإنتاجية المعطلة، والاستفادة من المعارض المتخصصة كمنصات لعرض احتياجات السوق والمنتجات المطلوبة، بما يساعد المصنعين على التوسع في التصنيع المحلي. واختتمت الورشة أعمالها بالتأكيد على أهمية وضع إطار مؤسسي وتشريعي يدعم نمو التكتلات الاقتصادية، وتعزيز دور مؤسسات إدارتها، وتفعيل مجالس المهارات القطاعية، وتوسيع برامج التدريب الفني، وتشجيع الحصول على شهادات الجودة والاعتمادات الدولية. كما أوصى المشاركون بزيادة الاستفادة من المعارض الدولية للترويج لمنتجات التكتلات المصرية، ودعم التحول نحو الاقتصاد الدائري، وتوفير أدوات تمويل أكثر ملاءمة لاحتياجات المشروعات الصغيرة والمتوسطة، بما يضمن استدامة هذه التكتلات وقدرتها على المنافسة إقليمياً ودولياً. وأكد المشاركون في ختام أعمال الورشة أن التكتلات الاقتصادية تمثل أحد المسارات الأكثر فاعلية لتحقيق مستهدفات الدولة في تعميق التصنيع المحلي، وزيادة الصادرات، وخلق فرص عمل مستدامة، وتعزيز مساهمة القطاع الصناعي في النمو الاقتصادي خلال السنوات المقبلة.









