إن الركائز الثلاث للمعاهدة- نزع السلاح، وعدم الانتشار، والاستخدام السلمي- ليست فقط تحت الضغط، بل باتت تتباعد تدريجياً، بعدما أُضعفت كل منها بفعل مزيج من الجمود السياسي، والتنافس الاستراتيجي، والتطبيق الانتقائي.
في لحظة تتسم باضطراب جيوسياسي حاد- من الحرب في الخليج، إلى تصاعد التنافس بين القوى الكبرى، وعودة المخاوف النووية بشكل ملموس- لم يعد السؤال المطروح أمام المجتمع الدولي سؤالاً بلاغياً: هل يمر نظام عدم الانتشار النووي العالمي بأزمة حقيقية، أم أنه مجرد طور دوري جديد من الضغوط؟ إن الأدلة المتراكمة التي برزت خلال المداولات الأخيرة المرتبطة بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية تترك مجالاً ضيقاً للغاية للالتباس. فما نشهده ليس اضطراباً عابراً، بل أزمة هيكلية تمس جوهر المنطق والتوازن والمصداقية التي قام عليها النظام النووي العالمي منذ عام 1968.
لقد تأسست معاهدة عدم الانتشار النووي على صفقة دقيقة التوازن: تتخلى الدول غير النووية عن السعي لامتلاك السلاح النووي مقابل الحصول على التكنولوجيا النووية السلمية، إلى جانب التزام موثوق من الدول النووية بالعمل نحو نزع السلاح. إلا أن هذا التوازن لم يعد قائماً اليوم. فالركائز الثلاث للمعاهدة — نزع السلاح، وعدم الانتشار، والاستخدام السلمي — ليست فقط تحت الضغط، بل تنفصل تدريجياً عن بعضها البعض، بعدما أُضعفت بفعل الجمود السياسي، والتنافس الاستراتيجي، والتطبيق الانتقائي.
ويتمثل البعد الأكثر وضوحاً لهذه الأزمة في غياب أي تقدم حقيقي في ملف نزع السلاح النووي. بل إن المسار يتحرك في الاتجاه المعاكس تماماً. فالترسانات النووية تشهد توسعاً وتحديثاً متواصلاً، في وقت تتآكل فيه منظومة الحد من التسلح الثنائي، التي شكلت لعقود العمود الفقري للاستقرار الاستراتيجي. كما أدى انهيار أو تعليق اتفاقيات رئيسية إلى إزالة الضوابط التي حدّت من التصعيد لعقود طويلة. وفي الوقت ذاته، يجري دمج تقنيات جديدة، من بينها الذكاء الاصطناعي وأنظمة الإطلاق المتقدمة، ضمن العقائد النووية، بما يضيف مستويات جديدة من التعقيد والمخاطر إلى معادلات الردع الهشة أصلاً.
ولا يقل خطورة عن ذلك حالة الجمود التي تصيب ركيزة عدم الانتشار. إذ يستمر انتشار القدرات النووية الحساسة — لا سيما تقنيات التخصيب — في كثير من الأحيان ضمن أطر غير شفافة أو غير معلنة. كما تتجه دول متزايدة إلى الاستثمار في قدرات نووية كامنة، بما يضعها على عتبة القدرة النووية دون خرق رسمي لالتزامات المعاهدة. ويعكس هذا النمط ليس فقط انتشار التكنولوجيا، بل أيضاً تراجع الثقة في قدرة النظام على توفير الأمن من خلال الالتزام بقواعده. ونتيجة لذلك، أصبح الفصل بين البرامج النووية المدنية والعسكرية أكثر صعوبة، سواء من حيث التعريف أو الرقابة والتنفيذ.
وعلى المستوى المؤسسي، يبدو التآكل واضحاً بالقدر نفسه. فقد بات دور هيئات الرقابة والتحقق، مثل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، يواجه ضغوطاً متزايدة، في ظل تراجع تطبيق أنظمة الضمانات الشاملة، وتصاعد الخلافات السياسية المتعلقة بحقوق الوصول وآليات الرقابة. كما يشهد النظام متعدد الأطراف بصورة أوسع، بما في ذلك منظمات مثل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، تراجعاً مماثلاً في مستوى النفوذ والفاعلية. ويعكس هذا الضعف حقيقة أعمق تتمثل في التآكل التدريجي لمنظومة الأمم المتحدة ذاتها، وتراجع قدرتها على ممارسة التأثير على القوى الكبرى.
ويتجسد هذا الشلل المؤسسي بوضوح في فشل مؤتمرات مراجعة معاهدة عدم الانتشار النووي المتعاقبة، على مدار الخمسة عشر عاماً الماضية، في التوصل إلى وثائق ختامية توافقية ذات رؤية مستقبلية. ويعود آخر اتفاق ذي معنى إلى عام 2010. ومنذ ذلك الحين، تحولت العملية إلى ما يشبه دائرة ممتدة من الخطابات، والجمود الإجرائي، والاعتماد المفرط على البيانات والفعاليات الجانبية، بعيداً عن الغاية الأصلية للنظام باعتباره آلية للتنفيذ والمساءلة.
وتكمن خلف هذه الاتجاهات حالة من الاختلال البنيوي التي بات من الصعب تجاهلها. فقد أصبحت الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن أكثر قوة وأكثر امتلاكاً للقدرات النووية، في حين تراجعت نسبياً قدرة الدول النامية على التأثير في مخرجات النظام الدولي. وما كان يوصف يوماً بـ«ازدواجية المعايير» تطور اليوم إلى ما هو أكثر رسوخاً: نظام متعدد المعايير تُطبق فيه القواعد بشكل انتقائي وغير متسق. وكانت النتيجة اتساع فجوة المصداقية، بما بات يهدد الركيزة الأساسية التي يقوم عليها النظام نفسه.
ويجسد الشرق الأوسط هذه الأزمة في أكثر صورها حدة. فالمنطقة لم تعد حالة هامشية، بل أصبحت في صلب مستقبل نظام عدم الانتشار النووي. فالتقدم المستمر في البرنامج النووي الإيراني، والقدرات النووية الإسرائيلية غير المعلنة، وتزايد انخراط القوى النووية الخارجية، كلها عوامل خلقت بيئة شديدة التعقيد وعدم الاستقرار. كما أن غياب الشمولية — خصوصاً عدم انضمام إسرائيل والهند وباكستان إلى المعاهدة — أدى عملياً إلى إفراغ سلطة المعاهدة ومصداقيتها في المنطقة. والأكثر دلالة أن دولاً نووية غير منضمة إلى المعاهدة أصبحت اليوم أطرافاً رئيسية في المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك جهود الوساطة المتعلقة بالملف النووي الإيراني، وهو ما يعكس حجم التهميش الذي تعرضت له المعاهدة.
وقد أضافت التطورات السياسية الأخيرة في واشنطن بُعداً جديداً ومؤثراً إلى هذا المشهد الهش أصلاً. فالرسالة التي وجهها عدد من النواب الديمقراطيين في مجلس النواب الأمريكي إلى الرئيس دونالد ترامب، مطالبين إياه بكسر صمته بشأن الترسانة النووية الإسرائيلية، لا تمثل مجرد خطوة سياسية داخلية، بل تعكس تحولاً في طبيعة الخطاب داخل أعلى مستويات صناعة القرار الأمريكي. ومن خلال إثارة هذه القضية بشكل مباشر، فإن الرسالة تهدد بمزيد من التعقيد للمعادلة الإقليمية، وفي الوقت نفسه تسلط الضوء على اختلال قائم منذ عقود ظل إلى حد كبير دون معالجة.
وتتضاعف أهمية هذا التطور بالنظر إلى اللغة المستخدمة في الرسالة ذاتها الموجهة إلى وزير الخارجية ماركو روبيو. إذ حذر النواب من أن «مخاطر سوء التقدير، والتصعيد، واستخدام السلاح النووي في هذه البيئة ليست افتراضية». وهي صياغة حادة ومقصودة تعكس إدراكاً بأن المسار الحالي في الشرق الأوسط ليس فقط غير مستقر، بل ينطوي على مخاطر حقيقية ومباشرة. فالمخاطر لم تعد مجرد احتمالات نظرية، بل أصبحت جزءاً متأصلاً في بنية البيئة الأمنية الإقليمية نفسها.
وبالنسبة للدول العربية، فإن التداعيات عميقة وواسعة النطاق. فرغم أن التركيز الاستراتيجي على إيران، لا سيما في ضوء تحركاتها في الخليج، يظل مفهوماً، فإنه بات غير كافٍ بصورة متزايدة. فالواقع الأوسع يشير إلى أن المنطقة تشهد توسعاً غير خاضع للرقابة، وفي كثير من الأحيان غير خاضع للرصد، في القدرات المرتبطة بالبرنامج النووي، بما يتجاوز إيران وحدها. وفي الوقت ذاته، تتشكل أنماط جديدة من التعاون، من بينها شراكات في مجالات التسليح والتكنولوجيا بين دول خليجية ودول نووية مثل الهند وباكستان، وذلك خارج إطار معاهدة عدم الانتشار النووي، بما يفاقم تراجع أهميتها وفاعليتها.
وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً يتعلق بمبدأ الشمولية. فالنظام الذي يسعى إلى تنظيم السلوك النووي العالمي لا يمكن أن يحتفظ بمصداقيته بينما تعمل أطراف رئيسية خارج إطاره. إن التعايش بين قوى نووية معترف بها وأخرى غير معترف بها، وفق مجموعات مختلفة من المعايير والتوقعات، خلق تناقضاً هيكلياً يواصل تقويض المعاهدة من الداخل. وبعبارة أخرى، يجري تهميش معاهدة عدم الانتشار النووي في الوقت الذي تتزايد فيه المخاطر التي أُنشئت أساساً للتعامل معها.
وفي هذا السياق، يظل الموقف العربي — بقيادة مصر بصورة ثابتة — محتفظاً بأهميته وإلحاحه في آن واحد. فعلى مدى عقود، لعبت مصر دور الذاكرة المؤسسية لمعاهدة عدم الانتشار، من خلال الدعوة إلى إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل الأخرى في الشرق الأوسط. ويظل هذا الهدف، المستند إلى قرار مؤتمر المراجعة لعام 1995، الإطار الأكثر تماسكاً وقابلية للتطبيق لمعالجة التحديات النووية في المنطقة.
إلا أن اللحظة الراهنة تتطلب أكثر من مجرد إعادة التأكيد على هذا الهدف. فهي تستدعي جهداً متجدداً لإعادته إلى صدارة الدبلوماسية الدولية. فإقامة مثل هذه المنطقة لم تعد مجرد طموح طويل الأمد، بل أصبحت ضرورة استراتيجية. ويتطلب ذلك ليس فقط إرادة سياسية، بل أيضاً إطاراً عملياً للتنفيذ، يشمل تفكيك القدرات النووية ذات الطابع العسكري، والتطبيق الكامل لأنظمة الضمانات الدولية.
ويُظهر نموذج جنوب أفريقيا، التي قامت طوعاً بتفكيك برنامجها النووي وإخضاع منشآتها للرقابة الدولية، أن التراجع عن المسار النووي العسكري أمر ممكن. كما تمثل معاهدة بليندابا نموذجاً إقليمياً ناجحاً يمكن الاستفادة منه في الشرق الأوسط. وما تحتاجه المنطقة هو معاهدة يتم التفاوض عليها بعناية، تستند إلى أسس فنية سليمة وتحظى بدعم سياسي، بما يعكس واقع المنطقة ويعيد في الوقت ذاته الاعتبار لمبادئ نظام عدم الانتشار العالمي.
ولم تعد المخاطر مقتصرة على مصداقية معاهدة بعينها، بل امتدت إلى مستقبل السلم والأمن الدوليين. فمع تراكم المخاطر النووية، وتراجع فعالية الضمانات المؤسسية، واحتدام التنافس الجيوسياسي، يضيق هامش الخطأ بصورة متزايدة.
ومن ثم، فإن الخلاصة باتت حتمية. فأزمة نظام عدم الانتشار النووي ليست مسألة إدراك أو انطباع، بل حقيقة قائمة. ومن دون جهد جاد ومنسق لاستعادة التوازن، وفرض الالتزامات، وإعادة تأكيد سلطة النظام متعدد الأطراف، فإن الركيزة الأساسية للنظام النووي العالمي ستواصل التصدع، بما قد يقود إلى تداعيات يصعب احتواؤها أو التراجع عنها.









