لابد للمرء أن يندهش بتقدير وإعجاب لقدرة المصريين على صنع البهجة، فى أصعب المواقف وأقساها، تجد النكتة حاضرة، وفى كل حدث أو انجاز، هناك القدرة على الفكاهة والضحك والابتهاج، وهذا لا ينفى وجود نفر مِنَّا مهمتهم البحث عن النكد وعوامل الكآبة..
وقد رصد بعض علماء الانثروبولوجيا، هذا البُعد فى الشخصية المصرية، فقد لاحظوا عديد الأفراح والأعياد التى يقررها أو يخترعها المصرى فى حياته الخاصة والعامة..احتفاله بمولد الطفل، ثم يوم السبوع، وبعدها يوم “الطُهور”، وهكذا.. على المستوى العام هناك كذلك أعياد كثيرة، بعضها له طابع دينى أو اجتماعى وطنى..تأملوا تعامل المصريين مع “المونوريل “،
هناك من يفخرون بهذا الانجاز، باعتباره الأول من نوعه فى مصر، وفى قارة افريقيا كلها وأنه كما ذكرت قناة C.N.N العربية سوف يكون الأطول على مستوى العالم، بعد أن تكتمل كل مراحله، خاصةً ان المشروع تم تحقيقه فى ظروف بالغة الصعوبة، ولسنا في بحبوحة اقتصادية.
فى المقابل هناك من رفعوا شعار “ليست له أولوية “، وهو شعار لا ينظر إلى جدوى المشروع وعائده الاجتماعى والانسانى، فضلًا عن الاقتصادى والمادى، كل ما لديهم مقولة الأولوية، إذا استسلمنا إلى هذه المقولة أفرادا أو مجتمعاً فلن يحقق الإنسان شيئا فى حياته ولن يتقدم المجتمع خطوة الي الإمام، لأنه لن يكون هناك شىء فى الحياة، سوى الحصول على الطعام والشراب فقط، وبالكاد بعض أشياء أخرى، لكن لا طريق يرصف ولا وسيلة مواصلات ولا جامعات تفتح أو مباني تقام..
ومن أغرب ما ظهر بعد افتتاح المشروع أن أحد السادة النواب المحترمين قال: إنه سوف يطرح جدوى المشروع تحت القبة ولماذا أقيم؟، هذا السؤال كان ممكنا إثارته، قبل الشروع في التنفيذ، أى حين كان مجرد فكرة، أما وقد تم التنفيذ ودخل الخدمة، يصبح السؤال متأخرا جدا وبلا معنى، سوي المزايدة فقط..
بعيدا عن التفاخر بالمشروع وهو بالفعل مدعاة للفخر والاعتزاز، وبعيدا أيضا عن أولئك الذين يريدون تبكيت الحكومة والدولة لإنجاز هذا المشروع، ويتصورون ان المعارضة هي التبكيت الدائم للحكومة وإثارة النكد العام، فإن عموم المصريين عَبَّروا عن سعادتهم بالمشروع وتعاملوا معه، ليس فقط خدمة عامةً قدمتها الدولة للمواطن، بل باعتباره كذلك مصدرا للمتعة والبهجة.
في أيام عيد الأضحى، خرجت جموع من الشبان والفتيات، أُسر بأكملها إلى المونوريل فى رحلة حقيقية، زاروا العاصمة الجديدة وأطَلوا على المناطق المختلفة التي يمر بها المونوريل.. ولا يجب أن نندهش، فقد حدثنى الروائى الراحل د.يوسف عز الدين عيسي وكان أستاذًا في كلية العلوم بالإسكندرية أنه هو وأستاذه العالم والموسيقى والكاتب الكبير د.حسين فوزي(السندباد)،
وكانت متعتهما فى صيف الإسكندرية ركوب الدور الثانى فى ترام الاسكندرية وتأمل شوارعها وبيوتها القديمة وعمائرها من أعلي، تخيل كأنك في طائرة على ارتفاع منخفض جدا تشاهد الأحياء والمباني والبشر من خلالها، إبداع البهجة والاصرار على المتعة والفرح،
فضلًا عن الوصول الى حل لبعض الأمور، هو ما حدث في المونوريل يوم الخميس الماضي.. نشرت عدد من الصحف والمواقع الإخبارية أن عروسين قررا الاحتفال بالزفاف في إحدى عربات المونوريل
وهكذا صعدا إلى العربة ومعهما بعض الأقارب والأصدقاء والمدعوين، والركاب فوجئوا بهذا المشهد..عروس فى فستان الزفاف الأبيض، والعريس يرتدى بدلة الفرح، ولم يكتفوا بالتهنئة، بل راحوا يهللون ويغنون، فى حالة من الفرح أسعدت الجميع.. أي خَيَاَل بديع قاد العروسين إلى هذه الخطوة..ولنا أن نتخيل لو أن العروسين قررا الاحتفال فى قاعة أحد الفنادق الكبرى أو الصغرى، أو ذهبا الي احد النوادي، بل أى قاعة أفراح،
وبفرض انهما عثرا على قاعة، ما هو الوقت الذى كان عليهم تحمله، حتى يتحدد لهم موعد، وكم يتكلف الاحتفال، ويضيف إلى أعبائهما فى بداية المشوار؟ وتكلفة الاحتفالات الآن صارت باهظة وتُرهق ميزانية الغَنى فما بالنا بالفقراء؟ وهل كانا سيحظيان بمشاركة أولئك المواطنين الذين كانوا فى العربة وأضافوا الكثير إلي سعادتهم وبهجتهم، والجميل أن إدارة المونوريل، وأعلنت ترحيبها واستعدادها لاستقبال عرسان جدد يرغبون فى الاحتفال..
هذا السلوك المبهج، جديد بالنسبة لهذا المشروع، لكنه يضع يدنا على تعامل عموم المواطنين مع مشروع تم انجازه بالفعل، وهو بالنسبة لهم خدمة تقدمها الدولة وهذا واجبها ودورها، والمواطن يستفيد بالخدمة، لكنه كذلك يفرح بها ويحولها الى مصدر للسعادة والبهجة،
في المقابل هناك فريق الرفض وربما المزايدة بدعوى عدم الاولوية واللاجدوي، لن أتوقف عند بعض علماء النفس، الذين يصنفون دعاة اللا جدوى فى خانة المصابين بالاكتئاب، لكن نكتفى بالقول إنهم من دعاة النكد العام..والتعامل مع بعض المشاريع ليس فقط فى جانبها الخدمي او النفعي ،بل باعتبارها مصدرا للمتعة سمة مصرية..
حين شرعت وزارة النقل تنفيذ المرحلة الأخيرة من كوبرى أكتوبر منتصف التسعينيات، وعارض البعض الفكرة وأبدى البعض الآخر تخوفهم على عمارات مدينة نصر/ امتداد شارع رمسيس، وانتشرت وقتها شائعات كثيرة، من يرغب في معرفة التفاصيل، يمكنه أن يعود على أعداد بعض الصحف فى تلك الفترة، طبعًا كان هناك فريق “ليس أولوية”، وسط هذا كله ظهرت حالة، كانت جديدة تمامًا وقتها، فى فصل الصيف، خاصة بعد انتهاء امتحانات الثانوية العامة، ويخرج المئات إلى الكوبرى للسهر عليه، خاصة فى الليل المتأخر،
وأُسَر بأكملها تخرج ومعهم مأكولاتهم وترمس الشاي إلى جوار ذلك ظهرت عربات صغيرة، وصناع الشاى والقهوة والمشروبات الصيفية..فضلا عن باعة السميط وبعض المأكولات، وقضيت عدة ليالى أرصد تلك الحالة وقدمتها فى تحقيق صحفى مُطَوَّل، ونشر على صفحات مجلة “المصور “.. والغريب أن بعض دعاة الكآبة العامة، وناشدوا وزارة الداخلية وقتها أن تطارد هؤلاء المواطنين وتمنعهم من تلك المتعة، ووصف البعض المشهد بأنه غير حضارى،
وما حدث وقتها صار-الآن-أمرا طبيعيا ومألوفًا الآن، وزادت أعداد الذين يستمتعون بهواء الصيف على الجسور والكباري، وخاصة في المسافات على النيل، ولا يقتصرون على الفقراء والبسطاء فقط، بل من الأغنياء أيضا، وامتدت الظاهرة لتصبح معظم شهور السنة ،البهجة تعم وتنتشر، ويبدو أنه-هكذا-يتعامل المصري دائما مع المنجزات التى تتم، والاعتزاز والتقدير، ثم تصبح أقرب إلى مزار أو موقع للبهجة والفرح، تأمل-مثلا-“مقياس النيل” في منطقة أو حي “مصر القديمة “،
حيث ينبئنا الجبرتي في كتابه “عجائب الاثار في التراجم والأخبار”، أنها كانت مقرًا للسهرات والرحلات أو الزيارات، التى يقوم بها السراة والأعيان، فضلا عن عموم الناس، وربما تكون مكانة هذا الموقع “الاثر”، تراجعت بعض الشيء الآن، ولكن المقياس لا يزال موقعا للزيارة والتنزه على النيل، حتى يومنا هذا..وقد تكون الصورة أوضح بالنسبة للقناطر الخيرية، التى بناها محمد علي (باشا)، ما يزال تاريخ محمد علي وإنجازه موضع خلاف بين الدارسين ،حتى اليوم، والرأى الغالب يُقِّرُ بأنه مؤسس مصر الحديثة ،
في مقابل رأي يذهب الى وصمه بكل ما هو سلبي ،ويشككون في “جدوى “كل ماقام به ،حتى لو كان بناء القناطر ،عموم الناس ابتعدوا عن هذا النقاش والجدل أو اللغط السياسي ، ويعتبرون “القناطر الخيرية “التى أقامها محمد علي، لتنظيم مياه النيل والاستفادة الأفضل منها موقعًا جميلًا وخلايا للفسحة والتنزه وقضاء يوم هناك، يذهب الزوار من أنحاء مصر إلى القناطر للاستمتاع بها، ولاحظ التسمية “الخيرية “، من الخير ونسبة إليه،
وإذا كانت القناطر إنجاز القرن التاسع عشر فإن السد العالى هو إنجاز القرن العشرين، ورماه فصيل من النخب بأبشع الصفات، بلغت الحماقة أن طالب بعضهم، بعد افتتاحه للعمل بأكثر من خمس سنوات بضرورة هدمه، طبعا كان هناك موقف مقابل بالدفاع عن السد وضرورته، ولكن المواطن العادي لم يشارك ولم يهتم بذلك الجدل والنقاش، واهتم فقط بضرورة الرحلة الى اسوان لزيارة السد العالي والتقاط الصور التذكارية عند لوحته التذكارية.









