غادرنا المطرب الجميل هانى شاكر ــ رحمه الله ــ الذى شق طريقه بدأب وإصرار فى زمن المطربين الكبار.. الذين كانوا فى أوائل السبعينيات ما زالوا على الساحة أمثال فريد الأطرش وعبدالحليم حافظ ومحرم فؤاد ومحمد قنديل وماهر العطار ومحمد رشدي، وغيرهم من رموز زمن الغناء الجميل قبل أن تصدم الأسماع أغنيات جيل جديد غريب طفح على المجتمع ويهجو ويسب ويقذف بكلمات الأغانى مثل «جلاب المصايب» و»مطلعة عينى».. ولا يتبقى سوى أن يمسك المغنى بعصا أو شومة يرهب بها المستمعين.
غنى هانى شاكر كلمات رقيقة عزبة بدءاً من بداياته «حلوة يا دنيا» و«سيبونى أحب» و«كده برضه يا قمر» التى غناها معه العندليب عبدالحليم حافظ فى إحدى الحفلات تشجيعاً له واعترافاً بموهبته ودرءاً للشائعات التى كانت سائدة فى هذه الفترة أنه يحارب الأصوات الشابة الجديدة.
حمل من بعد رحيله الفنان هانى شاكر راية الفن الراقى الجميل ومعه من جيله محمد الحلو وعلى الحجار ومحمد ثروت.. وواصل هانى شاكر النجاح حتى الأيام الأخيرة من مرضه يقابل الناس بوجه باسم ومجاملات رقيقة تعكس روحه الطيبة وشياكته الملفتة بعيداً عن المظاهر والتعليقات الغريبة التى نراها الآن من أدعياء طرب وغناء لا يمتون للفن الراقى بصلة ويتحصلون على الملايين من إيرادات الحفلات الصاخبة.
ومضى هانى شاكر بأغنياته مروراً «بأعشق ضحتك» و»هو اللى اختار» حتى وصل إلى روائعه الأخيرة التى عكست نضجه الفنى وإبداعه وإحساسه العالى مثل «إنت لسه بتسألينى» و«نسيانك صعب أكيد».
تربع على الساحة الفنية كنقيب للموسيقيين كان له بصمته فى تأصيل الغناء الراقى والتصدى لموجات الغناء الهابطة وما يطلق عليه أغانى المهرجانات وخاض معارك شريفة لصالح الفن دون تشدد حتى أنه تعامل مع الموهوبين الراقيين منهم مثل عمر كمال الذى لحن له أغنية «أبويا» من كلمات الشاعر سامى النويهى.
>>>
والحقيقة أنه رغم المسيرة الطويلة الممتعة للمطرب الراحل فقد تركت أغنيته «أبويا» علامة فارقة فى تاريخ أمير الطرب العربى تماثل أغنية «ست الحبايب» للفنانة فايزة أحمد التى أصبحت أيقونة لعيد الأم.
وبالتأكيد.. لقد أنصف الفنان هانى شاكر الأب بهذه الأنشودة الجميلة التى خرجت إلى النور قبل 6 سنوات، ولكنها تصدرت أغانى الفنان الراحل هذه الأيام بعد وفاته، خاصة بصوته الدافئ المعبر الذى يبكى كل مستمع لها يتذكر تضحيات الأب المصرى الذى يعطى أبناءه بلا حدود، ويفضله عن نفسه ولاسيما فى هذا الزمن الصعب الذى نعيشه والظروف الاقتصادية الضاغطة التى تجعل من رب الأسرة المسئول أن يعمل أكثر من عمل حتى يوفى بالتزاماته المادية والأسرية التى لا مفر منها طبقاً للعادات والتقاليد الموروثة.. والتى نأمل أن يسير شباب هذه الأيام على نهجها بالترابط الأسرى وانحسار حالات الطلاق التى تفشت فى الفترة الأخيرة وأخرجت أجيالاً جديدة تفتقد عطف الأب وحنان الأم فى ظل صراع مجتمعى نأمل أن ينجح قانون الأحوال الشخصية محل النقاش فى ترميم هذه العلاقة المقدسة التى أهدرتها الظروف وتقلبات الأحوال.
حقاً.. كانت أجمل إضافة فى التاريخ الغنائى لهانى شاكر أغنية «أبويا» التى لا نمل سماعها:
أبويا اللى عليه مسنود
حنان قلبه ملوش حدود
كبرت ولسه من عطفه
كأنى من ساعات مولود
أبويا ده قصة وحكاية
سنين تعبه لا نهاية
ده جسر من الوفا ممدود
أبوايا وعزى من خيره
جناح حوط على طيره
أنا اللى كفاية من غيره
ما كانش حيبقى ليا وجود
أبويا فى الوفا قادر
أقول عايز يقول حاضر
رحم الله الفنان الراحل الكبير هانى شاكر.. وكل أب يسعى ويشقى من أجل راحة وسعادة أبنائه الذين نأمل أن يحفظوا الجميل.









