الموقف بين أمريكا وإيران الآن أشبه بمباراة ملاكمة، كل طرف يسدد للآخر لكمة، فيستقبلها على وجهه ويترنح –وجعا أو تمثيلا- لزوم الموقف، ثم يرد مثلها ويتكرر التصرف، فى ظل حالة اللاحرب واللاسلم، يعقب الضربات تصريحات نارية بالتهديد والوعيد واستعراض القوة، وكل منهما يزعم أنه قادر على محو الثانى من الوجود.
وتوجه طهران معظم ضرباتها إلى مواقع فى دول الخليج، بحجة أنها تحتوى على قواعد أمريكية تنطلق منها الهجمات إلى الأراضى الإيرانية، وفى نفس الوقت لا توجه نيرانها إلى القواعد وهى على نفس المسافة أو أقرب، وقد تنفى أى صلة لها ببعض الهجمات ثم يتردد أنها من جانب أمريكا أو إسرائيل، لتوريط دول الخليج فى الحرب ضد إيران والزج بها للمشاركة فيها، وكذلك بالتحريض والتصريح بأن إيران العدو المشترك لدول الخليج وإسرائيل وأمريكا، ويظل الموقف غامضا والحقيقة غائبة فى أجواء متوترة تلقى بظلاها على العالم أجمع اقتصاديا وسياسيا.
ومنذ أن قبلت الأطراف وقف النار، والمفاوضات بين شد وجذب والتصريحات أكثر من أى إنجاز، تبدو فترة التفاوض فرصة لاستعراض العضلات إعلاميا، ولا يفوّت الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فرصة إلا ويتحفنا بتصريح تلو الآخر ولا مانع أن يكونا عكس بعضهما، ولا يختلف الأمر كثيرا من الجانب الإيرانى الذى لا يكف عن الحديث حول قوته وإمكاناته وقدراته الخارقة.
وبقراءة بسيطة لما يتم تسريبه عمدا من غرف التفاوض، نستكشف أن هذه الحرب لم تحقق أهدافها للأمريكان الذين كانوا يستهدفون القضاء على النظام الإيرانى، وهذا لم يحدث، بل لم يعد هناك حديث عنه بالمرة فى المباحثات ولا التصريحات، وكأنهم اكتفوا بمن تم اغتيالهم واعتبروهم «النظام» وهذا غير صحيح، ثم الصواريخ الباليستية وهذه أيضا نادرا ما يتم ذكرها أو التعرض للحديث عنها، وقد خرج مضيق هرمز ليضيف معضلة جديدة أمام ترامب وحدث ما لم يتوقعه خاصة بعد المعلومات الخاطئة التى أمده بها نتنياهو والوهم بأن إيران ستنهار خلال ساعات.
أما الملف الأكبر والأهم فهو منع إيران من امتلاك سلاح نووى، ويتم البحث عن مخرج لهذه العقدة مع إصرار الطرفين كل على موقفه، والأمريكان يريدون أى صيغة لحفظ ماء الوجه أمام الرأى العام المحلى والعالمى، وأذكركم بأنه عندما تنتهى المفاوضات بأى شكل، سوف يسارع كل طرف بإعلان انتصاره مهما كانت النتائج.
ويستمر النهج الدموى لسفاح العصر النتن ياهو، الذى لا يريد للحروب أن تتوقف، واستغل فترة التفاوض ليوجه آلته العسكرية الغاشمة إلى لبنان، وما أن تشترط طهران أن يشمل التفاوض جنوب لبنان، حتى يعود إلى غزة التى كانت بعيدة عن الأنظار والاهتمام الإعلامى فى الشهور الماضية، ويستغل الصهاينة هذه الأوضاع للمزيد من القتل والدمار.
ويحاول نتنياهو العبث فى مسار السلام مع إيران، ويرفض التوقف عن الاغتيالات والدمار، فيظهر له ترامب العين الحمراء، ويقولها له صريحة مدوية فى اتصال هاتفى: «أنت مجنون تماما.. لولاى لكنت فى السجن».. وكشف عن ذلك موقع أكسيوس الإخبارى الأمريكى ووصفها بأنها «المكالمة الأسوأ» بينهما، ودلالة ذلك أكبر من مجرد التوبيخ للنتن ياهو من حليفه المهم وداعمه الأول، إنما يوضح المغالطة الأمريكية للحقائق بأن الدولة العبرية أصبحت منبوذة أكثر من ذى قبل على المستوى العالمى، ولم تعد محاولات تجميلها ذا قيمة.
وكشفا للموقف الصهيونى، نقلت صحيفة نيويورك تايمز، عن مسؤولين أمريكيين أن جهود إسرائيل التجسسية لمعرفة مواقف واشنطن فى المحادثات مع إيران تجاوزت الحدود، وتسعى للحصول على معلومات بشأن إستراتيجية ترامب فى المفاوضات وأن النشاط الاستخباراتى الإسرائيلى أصبح أعلى من أى حليف آخر وحتى من دول معادية، ووصفت أسلوب إسرائيل فى جمع المعلومات الاستخبارية بأنه غير منضبط بشكل غير مسبوق، ولم يسبق له مثيل فى تاريخ العلاقات المشتركة، ورغم ذلك لم تحقق الدولة العبرية هدفها وتعترف بالفشل وتم عزل نائب رئيس الموساد إثر الفشل فى إسقاط النظام الإيرانى.
العالم مازل ينتظر عودة الهدوء وإطفاء النيران التى يشعلها الصهاينة واحدة تلو الأخرى.









