منذ 8 أكتوبر 2023 وتحديدًا منذ انطلاق العدوان وحرب الإبادة على الشعب الفلسطينى فى قطاع غزة، وحتى يومنا هذا واشتعال الحروب والصراعات فى المنطقة والهجوم الصهيو ــ أمريكى على إيران، ثم الإسرائيلى على لبنان الشقيق، خسرت إسرائيل أغلى ما لديها، بل ربما هو سر استمرارها حتى هذه اللحظة، وتستطيع أن تقول إنها خسرت كل شىء، ودعك من النشوة الصهيونية المتطرفة التى يمثلها المتطرفون بحدة بنيامين نتنياهو وبتسلئيل سيموتريتش، وإيتمار بن غفر لكن بحسابات موضوعية للواقع الذى تعيشه وعسكريًا وأمنيًا واقتصاديًا وخارجها ما أصاب بصورتها المزيفة لدى الغرب.
لا أعنى بخسارة إسرائيل استنزافًا فى قدراتها العسكرية وسقوط غطرستها، وتهاوى أسلحة برية ودفاعية وجوية لطالما زعمت أنها من الأساطير، وفشل فى تحقيق المهام التى أعلنتها نتنياهو وسقط مخطط تهجير الفلسطينيين بشكل واضح وحالت مصر دون تحقيقه، ولم يفلح جيش الاحتلال فى القضاء على حركة حماس أو تجريدها من سلاحها ومازالت قدراتها موجودة.
ليس خسارة إسرائيل التى أعنيها فى الخروج نتيجة واضحة مباشرة أن أوهام الكيان الصهيونى أكبر بكثير من قدراته، وهو يجرى وراء أضغاث أحلام.. وليس أيضا فى استنزاف اقتصادى بعشرات المليارات من الدولارات، أو تعطل السياحة والإنتاج والعمل، وحركة الطائرات أو حتى سقوط مئات الضباط والجنود والمواطنين الصهاينة أو حتى وجودهم فى الملاجىء والمخابىء، ليدرك الجميع أن إسرائيل بطل من ورق ولا أعنى حالة الخوف والرعب والارتعاش والفوبيا التى يصاب بها جنود الاحتلال خلال المواجهات البرية وهو تكشف عنه بعض التقرير بارتفاع حالات الهروب من الخدمة أو من الحياة بالانتحار أو الإصابة بالجنون والأمراض النفسية أو الجاسوسية أو الرغبة العارمة فى الخروج والرحيل من إسرائيل ولا أعنى الخسارة الفادحة لإسرائيل بالفشل الذريع أمام إيران بعد أن خرج نتنياهو يخبر صديقه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب أن إسقاط النظام الإيرانى لن يأخذ أكثر من ثلاثة أو أربعة أيام على الأكثر ولم أعنى أن خسارة إسرائيل فى فشل منظومات الدفاع الجوى المتقدمة التى تضمها منظومة القبة الحديدية مثل أرو وثاد وغيرهما فى التصدى لصواريخ ومسيرات إيران وحزب الله ليس هذا فحسب ولكن وصولها إلى أهداف حيوية كانت إسرائيل تزعم أنه من المستحيل الوصول إليها، لكنها أصابت وبدقة قواعد ومنشآت عسكرية واستخباراتية واقتربت من منشآت نووية ودمرت كيانات نفطية وكيماوية واقتصادية وأجبرت شعب الاحتلال على الدخول إلى الملاجىء والصراخ والعويل وقتلت وأصابت المئات من عسكريين ومواطنين صهاينة ناهيك عن خسائر اقتصادية هائلة جعلت قرار استئناف أو العودة إلى الحرب مع إيران، صعب ومؤلم وتكلفته عالية وبات ترامب يلعن اليوم الذى عرف فيه أمثال نتنياهو، وبات يسبه بأقذع الشتائم ليتصل بزوجته سارة ليحذرها من مصير بيبى إذا استمر فى حماقته.
ليست الخسائر الاقتصادية والعسكرية أو الفشل فى تحقيق مهمته هى تلك التى أعنيها ولكن الخسارة الفادحة لإسرائيل هو تراجع الدعم الأمريكى والغربى الأوروبى لإسرائيل ليس على الموقف الرسمى المتعلق بالقيادات الأمريكية والأوروبية وهى موجودة ولكن أعنى الشعب الأمريكى وشعوب الدول الأوروبية خاصة من الشباب والأجيال الجديدة هو ما تجلى خلال عامى العدوان وحرب الإبادة على قطاع غزة ثم الرفض الأمريكى والأوروبى على مستوى الشعب فى الولايات المتحدة وعلى المستويين الشعبى والرسمى فى أوروبا للحرب الأمريكية ــ الإسرائيلية على إيران.
خسارة إسرائيل التى ربما لا يدركها نتنياهو وباقى عصابته من المتطرفين الذين أخذتهم شهوة الدم، وسكرة القتل، والتدمير هى فقدان الدعم الأمريكى حتى لو على مدار المستقبل القريب، ولعل التظاهرات والاحتجاجات فى الجامعات الأمريكية خلال العدوان على قطاع غزة دليل حى على وجود أجيال جديدة أدركت الوجه الحقيقى لإسرائيل وأنها دولة تمارس الإجرام وبعيدة تمامًا عن المبادىء التى لطالما زعمت أنها تتمسك بها فلا حرية أو ديمقراطية أو إنسانية، توقف الجميع أمام قتل الأطفال والنساء وحرب الإبادة والحصار والتجويع وتدمير المستشفيات ومحطات الكهرباء والمياه والمخابز وقتل الأطباء والمسعفين والأطقم الطبية والصحفيين ورجال الإعلام لطمس الحقيقة، جرائم تقشعر لها الابدان ثم التغرير وخداع ترامب بحرب عبثية مع إيران أدت لخسائر فادحة للإدارة الأمريكية الحالية على كافة الأصعدة عسكريًا واقتصاديًا وأدبيًا وسياسيًا وسقوط الصورة المزيفة للنفوذ الأمريكى والقوة العسكرية التى لم تحسم المواجهة مع إيران وتكبدت خسائر فادحة.
خسارة إسرائيل الفادحة هى فقدان الدعم والتعاطف الأوروبى، والذى تجلى فى مواقف دول القارة العجوز، والإدانة والرفض المستمر لإجرام الكيان ولعل الموقف الأسبانى والفرنسى والإيطالى حتى البريطانى، كان ومازال واضحًا، فإذا كانت هناك أصوات داخل الكونجرس الأمريكى حتى وأن كانت محدودة تطالب بإيقاب الدعم والمساعدات لإسرائيل إلا أن أوروبا كانت أكثر حزمًا، فى اتخاذ إجراءات واضحة ضد إسرائيل وأمريكا منها عدم المشاركة فى الحرب على إيران ومنع استخدام أراضيها وأجوائها للقوات الأمريكية لشن هجمات على إيران ورفض المشاركة فى استخدام القوة العسكرية لفتح مضيق هرمز، وطرد شركات إسرائيل من المشاركة فى المعارض الأوروبية الدولية وتنامى الاحتجاجات والمظاهرات فى أوروبا ضد جرائم الكيان الصهيونى ولعل تصريحات بيدرو شانشيز رئيس وزراء أسبانيا أو الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون، أو جورجيا ميلونى رئيسة وزراء إيطاليا التى وجهت سيلاً من السباب والاتهامات لرئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو.
نحن أمام ظاهرة جديدة تتمدد فى الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وهى بناء صورة حقيقية للكيان الصهيونى تضم جرائمه وأكاذيبه، وأنه ضد الإنسانية ومطارد من المحاكم الدولية، وهو ما بات فى عقول ووجدان الأجيال الجديدة من الشباب الأمريكى والأوروبى، ولعل ظاهرة زهران ممدانى عمدة نيويورك الذى تغيب بشكل مقصود ومتعمد عن الاحتفال السنوى بـ»يوم إسرائيل» رفضًا لجرائم الاحتلال ودعمًا للحقوق الفلسطينية وهو نفسه الذى شارك قبلها فى أحياء ذكرى النكبة فى 15 مايو لإعلان قيام دولة الاحتلال، ممدانى صاحب شعبية جارفة وتفوق على منافسه بفارق كبير وانتشار هذا النموذج فى الولايات المتحدة قابل للتكرار بشكل كبير خاصة مع الأجيال الجديدة.
خسارة إسرائيل التى لايدركها نتنياهو وباقى عصابته، سوف يدرك الصهاينة آثارها على المدى البعيد خلال السنوات القادمة، فهل تتخلى أمريكا فى المستقبل عن إسرائيل؟ وهل اتسعت المسافات بين أوروبا ودولة الكيان الصهيونى؟ وهنا يمثل أخطر الخسائر التى تعرضت لها إسرائيل.









