جاءت مبادرة الأزهر والكنيسة وتواصلها مع العائلات المتضررة من حادث القتل العشوائى الذى أودى بحياة وإصابة عدد من الأشخاص من عائلات مختلفة بقرية محمديات التابعة لمركز أبنوب بمحافظة أسيوط والتى أرست قواعد العفو والتسامح لوجه الله تعالى وأكدت أن المجتمع الصعيدى أصبح أكثر وعيا وفهما وأن العفو والتسامح أسمى معانى القوة والرجولة.
دائما الإنسان الذى يمتاز بالتسامح يكون أكثر ثقة وتدينا وأخلاقا من غيره وأقرب إلى الله.. وحريصا على إرساء مبادئ الأخلاق والمحبة.
نجاح اللجنة العليا للمصالحات بالأزهر الشريف برئاسة الدكتور عباس شومان الأمين العام لهيئة كبار العلماء فى التواصل مع العائلات المتضررة وإقناعهم بضرورة وقف نزيف الدم خاصة أن القتل عشوائى ويحمل فى طياته القتل الخطأ وكان إعلان جميع العائلات المتضررة قبول وساطة الأزهر الشريف فى العفو والتنازل عن الدم لوجه الله خطوة وصفت بأنها انتصار لقيم التسامح والسلم المجتمعى بالصعيد.
ما تم من إنجاز يحقن الدماء ويوقف سلسلة القتل المتبادل الذى ينتقل من جيل إلى جيل.. كما هو الأداة الوحيدة التى تكسر هذه الدائرة المفرغة وتنقذ أرواحاً بريئة كانت ستُقتل لمجرد صلة القرابة.. فقيم التسامح تحقق السلم الاجتماعى والاستقرار.
قضايا الثأر تضع المجتمع فى حالة طوارئ دائمة من الرعب والقلق والترقب.. والعفو يعيد للأسر والقبائل الطمأنينة وينهى الصراعات المسلحة مما يسمح للناس بممارسة حياتهم الطبيعية والذهاب لأعمالهم وتعليم أبنائهم بأمان.. إضافة إلى تحويل طاقة الهدم إلى طاقة بناء بدلاً من إسالة الدماء وشراء الأسلحة والتربص وتأمين التحركات أو حتى الهروب والهجرة.. لكن يتيح العفو توجيه هذه الموارد والطاقات نحو التعليم والتنمية وتحسين مستوى معيشة الأسر التى كانت متورطة فى الصراع.
إرساء القيم الدينية والأخلاقية السامية.. والعفو عند المقدرة يعكس عمق الإيمان والالتزام بالقيم الروحية والإنسانية.. فإن الثقافة العربية والإسلامية يُعد العفو فيها من أعلى شيم المروءة والشهامة ويجلب لصاحبه رفعة فى الدنيا وثواباً عظيماً فى الآخرة، كما قال تعالي: «فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ».
كما يخفف العبء النفسى والتحرر من الأحقاد.. فإن العيش بدافع الانتقام يملأ القلوب بالمرارة والتوتر والضغط النفسى المستمر.
«العفو» وإن كان صعباً فى بدايته، إلا أنه يمنح أصحاب الدم سلاماً داخلياً ويحررهم من سجن الغضب والاحتقان ليبدأوا صفحة جديدة فى حياتهم.. وحماية الأجيال القادمة من الموروثات المظلمة.
عندما يرى الأبناء والشباب كبار عائلاتهم يميلون للصلح والعفو يتربون على قيم التسامح والحوار بدلاً من العنف والتعصب القبلى.. وذلك يحمى عقولهم من التسمم بأفكار الانتقام ويضمن لهم مستقبلاً أفضل.
إن التسامح فى قضايا الثأر ليس ضعفاً أو تنازلاً عن الحق، بل هو شجاعة وبطولة تترفع عن الخصومة لتبنى الحياة بدلاً من الموت.









