كان الحذاء المعروض على إحدى صفحات «انستجرام» يبدو وكأنه خرج للتو من معارض ميلانو أو باريس؛ تصميم أنيق، ولمعان يخطف الأبصار، وصور احترافية تجعل المشترى يظن أن قطعة من الرفاهية الأوروبية فى طريقها إلى منزله.
وكأى مستهلك يعتقد أنه حريص، لم أكتفِ بالصور، بل سألت مسئولة الصفحة بشكل مباشر: «هل المنتج مطابق تمامًا لما يظهر فى الصور؟»
وجاء الرد سريعًا ومطمئنًا: «يا فندم.. نفس المنتج 100 ٪، وتصوير على الطبيعة».
اطمأن القلب، ووافق العقل، وأخرجت المحفظة ودُفع المبلغ انتظارا للحظة استلام «حذاء الأحلام» بعد أيام قليلة.
لكن ما إن غادرت شركة التوصيل وفتحت العلبة حتى اكتشفت أن الحذاء الموجود بالداخل لا تربطه بالصور المعروضة أى صلة حقيقية. خامات رديئة، وتشطيب ضعيف، وجودة غير موجودة، ومنتج بعيد تماما عما وعدت به الصور والإعلانات.
للحظة ظننت أن شركة الشحن قد أخطأت فى تسليم الطرد. أعدت النظر إلى الصور مرة، ثم مرتين، ثم ثلاثا، فتحت «الشات»أكثر من مرة وعدت أنظر إلى الحذاء من جديد. كان الفارق بينهما أكبر من الفارق بين الإعلان والواقع.
المشكلة أن ما حدث معى ليس حالة فردية أو تجربة استثنائية، بل قصة تتكرر يوميا مع آلاف المستهلكين الذين يقعون ضحايا لإعلانات براقة وصفحات مجهولة المصدر تبيع كل شيء؛ من الملابس والأحذية إلى مستحضرات التجميل والأجهزة المنزلية والإلكترونية.
بعد الواقعة التى حفرت «ذكريات» فى نفسى برزت مجموعة من الأسئلة تستحق التوقف أمامها.. وعلى الفور رفعت التليفون واتصلت بصديقى الخبير الاقتصادى.. وبدأت الأسئلة.
كيف نجد المنتج نفسه، بالصورة نفسها تقريبا، معروضا بأكثر من خمسة أسعار مختلفة على صفحات متعددة؟.. والإجابة كانت.. جزء من هذا السوق يعمل خارج المنظومة التجارية الرسمية. فلا فاتورة ضريبية، ولا سجل تجارى معلن، ولا عنوان واضح يمكن الرجوع إليه عند حدوث مشكلة. ولهذا يصبح السعر فى كثير من الأحيان خاضعا لاجتهاد البائع ورغبته فى تحقيق أكبر هامش ربح ممكن.
ومن يراقب المنتجات التى تباع عبر هذه الصفحات؟ضحك ثم قال: فى المتاجر التقليدية توجد جهات رقابية وعنوانا معروفا وصاحب نشاط يمكن مساءلته. أما فى كثير من صفحات «الأون لاين» المجهولة، فالرقيب الوحيد هو ضمير البائع. ولا تتوقف المخاطر عند حدود الحصول على منتج رديء الجودة. فهناك صفحات تشترط الدفع مقدما ثم تختفى تماما بعد استلام الأموال، وهناك صفحات أخرى تستغل بيانات العملاء وأرقام هواتفهم وعناوينهم فى أغراض تسويقية أو بطرق غير مشروعة.
والأخطر أن بعض الصفحات لا تكتفى ببيع منتج مخالف للمواصفات، بل تتعامل مع العميل وكأنه المتهم لمجرد مطالبته بحقه. ولدى شخصيًا واقعة موثقة مع إحدى الصفحات، حيث فوجئت بعد الاعتراض على المنتج بحالة من المراوغة والإنكار، ثم بأسلوب غير لائق فى التعامل بدلاً من الاعتذار أو محاولة حل المشكلة. وما زلت أحتفظ بكافة المحادثات والتفاصيل التى تثبت الواقعة، وهى تحت تصرف الجهات المختصة والأجهزة الأمنية وجهاز حماية المستهلك متى طلبت ذلك. فالقضية هنا لم تعد مجرد منتج رديء، بل نموذج يكشف كيف يعتقد البعض أنه بمنأى عن المساءلة طالما يختبئ خلف شاشة وهاتف وصفحة على مواقع التواصل الاجتماعى.









