سؤال يهز عروش الفساد فى إحدى المناسبات العامة، طُرحت رسالة مفادها أن «الكل سيُحاسب ولا أحد فوق القانون» وأن من يظلم الناس أو يخدعهم مهما طال الزمن لن يفلت من العدالة.. وهى فكرة تتجاوز الكلمات لتلامس جوهر أى دولة تسعى للاستقرار: إن ميزان الحق يجب أن يكون واحدًا على الجميع بلا استثناء.. وعلى أرض الواقع، يتساءل كثيرون: كيف يمكن لفرد أن ينتقل من ضيق العيش إلى ثروات طائلة فى زمن قصير؟ وكيف يمكن لآخر أن يتحول من شخص بسيط إلى صاحب نفوذ ومال وسلطة دون شفافية واضحة؟ وبين هذا وذاك تظهر تساؤلات الناس المعتادة: «من أين لك هذا؟» حين تتضخم الثروات وتُبنى المناصب بعيدًا عن أعين الرقابة والمحاسبة.. ومع تراكم التجارب، يرى البعض أن الفساد قد يُغرى أصحابه فيظنون أنه طريق للنجاة أو الثراء أو النفوذ، فيتمادى بعضهم فى الظلم، مستندين إلى المال أو السلطة أو العلاقات، حتى يصل الأمر عند البعض إلى التطبيع مع الفساد وكأنه واقع لا مفر منه.. بل إن الأخطر أن يتحول الفساد فى نظر بعض المجتمعات إلى «نجاح»، وأن يُنظر إلى الاستقامة على أنها سذاجة أو ضعف.. لكن الحقيقة التى لا تتغير أن الظلم لا يبنى أوطانًا، بل يهدمها من الداخل.. فـ «الظلم ظلمات يوم القيامة» كما جاء فى الحديث الشريف، وهو ليس مجرد وعيد أخروي، بل قانون حياة: المجتمعات التى ينتشر فيها الظلم تفقد توازنها، وتضعف ثقة الناس فى بعضها البعض وفى مؤسساتها.. وقد قال الله تعالي: «ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون إن الله يأمر بالعدل والإحسان» وفى المعنى السياسى والإنسانى العام، تتفق تجارب الدول أن «العدل أساس الملك» وأن «الدولة التى تُهمل العدالة تُهمل استقرارها».. فكما قيل فى الحكم: «العدل هو أساس الحكم الرشيد».. حيثما يوجد العدل يوجد الأمن، وحيثما يغيب يسود الخوف، «الفساد لا يبنى دولة بل يبنى قبرها ببطء» وعندما تغيب المحاسبة، يظن البعض أن لا رقيب ولا حساب، فيتمادى فى تجاوزاته، لكن سنن الحياة تثبت عكس ذلك: فكل ظلم له نهاية، وكل فساد مهما طال ينهار عند أول لحظة جدية للمحاسبة.. ومع بداية تطبيق القانون بشكل أكثر صرامة وعدالة، يبدأ ميزان المجتمع فى الاســـتعادة تدريجـــيًا، فيشعر الناس أن هناك فرقًا بين من يلتزم ومن يفسد، وتعود الثقة فى فكرة أن الحقوق لا تضيع وأن القانون ليس حبرًا على ورق.. عندها فقط، يطمئن المواطن أن الاستقامة ليست خسارة، بل هى الطريق الآمن الحقيــــقى.. وفى النهاية، تبقى القاعدة الأهم: حين يسود العدل، يطمئن الناس، وحين يُكسر ميزان العدالة، يختل كل شيء.









