قبل أيام قليلة من انطلاق منافسات بطولة كأس العالم 2026 تبدو الأنظار متجهة نحو واحدة من المجموعات التى تجمع بين التاريخ والطموح والرغبة فى إثبات الذات، وهى المجموعة العاشرة، والتى تضم حامل لقب كأس العالم، ومنتخبًا عربيًا يعود إلى المونديال بعد غياب طويل، ومنتخبًا أوروبيًا يستعيد مكانته بين الكبار بعد انتظار دام عقودًا، ومنتخبًا عربيًا آخر يشارك للمرة الأولى فى تاريخه.
ففى الوقت الذى تدخل فيه الأرجنتين البطولة بصفتها حاملة لقب كأس العالم، تسعى الجزائر إلى استعادة حضورها على الساحة العالمية بعد سنوات من الغياب، بينما تعود النمسا إلى النهائيات بعد انتظار دام ما يقرب من ثلاثة عقود، فى حين يخوض الأردن أول مشاركة مونديالية فى تاريخه.
الأرجنتين.. رحلة الدفاع عن العرش
يدخل المنتخب الأرجنتينى كأس العالم 2026 وهو يحمل على كتفيه لقب بطل العالم، بعد الإنجاز التاريخى الذى حققه فى قطر عام 2022، وعلى مدار السنوات الأربع الماضية حافظ منتخب «راقصى التانجو» على مكانته بين نخبة منتخبات العالم، مستفيدًا من الاستقرار الفنى الذى فرضه المدرب الوطنى ليونيل سكالونى ومن الخبرة الكبيرة التى اكتسبها اللاعبون خلال السنوات الأخيرة.
ويحمل المنتخب الأرجنتينى لقب «راقصى التانجو» وهو لقب ارتبط بأسلوب اللعب الممتع الذى اشتهرت به الكرة الأرجنتينية عبر أجيال متعاقبة، ويحتل المنتخب المركز الثالث عالميًا فى تصنيف الاتحاد الدولي، قبل انطلاق البطولة، كما يمتلك أعلى قيمة سوقية فى المجموعة العاشرة بفارق هائل عن منافسيه، إذ تبلغ القيمة الإجمالية لقائمته 818.5 مليون يورو.
قائمة منتخب التانجو تضم 26 لاعبًا، يبلغ متوسط أعمارهم 29 عامًا، وهو رقم يعكس التوازن بين الخبرة والنضج الكروي، كما تضم القائمة 24 لاعبًا محترفًا خارج الأرجنتين، بنسبة 92.3 ٪ من إجمالى اللاعبين، وهو ما يعكس الحضور الكبير للاعب الأرجنتينى فى الدوريات الأوروبية والعالمية.
ويواصل ليونيل سكالونى قيادة المنتخب بعدما أصبح أحد أنجح المدربين فى تاريخ البلاد الحديث، فمنذ توليه المهمة نجح فى إعادة بناء الفريق، وقاده للتتويج بكأس العالم وكوبا أمريكا، كما أعاد للمنتخب شخصيته التى افتقدها فى سنوات سابقة.
أما داخل الملعب، فما زال ليونيل ميسى يمثل القلب النابض للفريق، ورغم تقدمه فى العمر، فإن قائد الأرجنتين يدخل البطولة الجديدة محاطًا بجيل مميز من اللاعبين القادرين على صناعة الفارق فى جميع الخطوط.
وضمت القائمة النهائية لراقصى التانجو 17 لاعبًا كانوا ضمن قوام المنتخب المتوج بلقب نسخة الأخيرة فى قطر 2022.
وعلى مدار تاريخه شارك المنتخب الأرجنتينى فى كأس العالم 18مرة، ونجح فى التتويج باللقب ثلاث مرات أعوام 1978 و1986 و2022، ليؤكد مكانته كواحد من أعظم منتخبات اللعبة.
كما أنجبت الأرجنتين مجموعة استثنائية من النجوم التاريخيين، يتقدمهم دييجو أرماندو مارادونا وليونيل ميسى وماريو كيمبس وجابرييل باتيستوتا وخوان رومان ريكيلمى وخافيير زانيتى ودانييل باساريلا.
الجزائر.. عودة منتظرة
تدخل الجزائر البطولة وهى تحمل هدفًا مختلفًا تمامًا، يتمثل فى استعادة مكانتها بين كبار المنتخبات بعد غياب استمر 12عامًا عن النهائيات.
فعندما ودع المنتخب الجزائرى كأس العالم 2014 فى البرازيل بعد مباراة تاريخية أمام ألمانيا فى الدور ثمن النهائي، اعتقد كثيرون أن «محاربى الصحراء» على أعتاب مرحلة جديدة من التألق العالمي، لكن السنوات التالية لم تسر كما أراد الجزائريون، بعدما غاب المنتخب عن نسختى 2018 و2022 رغم امتلاكه مجموعة كبيرة من النجوم.
واليوم يعود المنتخب إلى أكبر مسرح كروى فى العالم، مدعومًا بجيل جديد يجمع بين الخبرة والطموح، واضعًا نصب عينيه تكرار الإنجاز التاريخى الذى تحقق قبل أكثر من عقد من الزمن.
ويعرف المنتخب الجزائرى بلقب «محاربو الصحراء»، وهو لقب ارتبط بروح القتال والإصرار التى تميز أداء الفريق فى المحافل الكبرى، وعلى مستوى التصنيف العالمى يحتل المنتخب المركز الثامن والعشرين عالميًا قبل انطلاق البطولة.
وتبلغ القيمة السوقية لقائمة المنتخب الجزائرى 287.6 مليون يورو، وهو رقم يعكس حجم الجودة التى يمتلكها الفريق مقارنة بمعظم المنتخبات الأفريقية والعربية، كما يبلغ متوسط أعمار القائمة 26.9 عامًا.
وتكشف الأرقام أيضًا أن 23 لاعبًا من أصل 26 لاعبًا فى القائمة محترفون خارج الجزائر، بنسبة 88.5 ٪، وهو ما يؤكد الحضور الكبير للاعب الجزائرى فى الدوريات الأوروبية والعالمية.
ويقود المنتخب المدرب السويسرى فلاديمير بيتكوفيتش الذى تولى المهمة فى مرحلة حساسة، واضعًا هدفًا واضحًا يتمثل فى إعادة الجزائر إلى موقعها الطبيعى بين كبار القارة الإفريقية والمنافسة بقوة على الساحة الدولية.
أما شارة القيادة فيحملها واحد من أهم الشخصيات فى تاريخ الكرة الجزائرية الحديثة، وهو رياض محرز، النجم الذى تحول خلال السنوات الأخيرة إلى رمز لجيل كامل من اللاعبين الجزائريين.
ويعد أمين جويرى ومحمد أمين عمورة وإبراهيم مازة من أبرز الأسماء التى يعول عليها الجزائريون فى السنوات المقبلة، بعدما قدم الثلاثى مستويات لافتة فى الدوريات الأوروبية، ليشكلوا العمود الفقرى للجيل الجديد.
وعلى مدار تاريخه شارك المنتخب الجزائرى فى كأس العالم أربع مرات قبل نسخة 2026، وكانت أبرز محطاته فى مونديال 2014 عندما بلغ الدور ثمن النهائى للمرة الأولى فى تاريخه قبل الخروج بصعوبة أمام ألمانيا التى توجت لاحقًا باللقب.
وبين ذكريات إنجاز 2014 وطموحات جيل 2026، يدخل محاربو الصحراء البطولة وهم يدركون أن الجماهير لا تنتظر مجرد مشاركة جديدة، بل تحلم بعودة الجزائر إلى الأدوار الإقصائية وكتابة صفحة جديدة فى تاريخ الكرة الجزائرية على الساحة العالمية.
النمسا.. تستعيد الذكريات
يقف المنتخب النمساوى فى موقع مختلف، فهو يدخل البطولة بعيدًا عن الضجيج الإعلامى المعتاد، لكنه يمتلك من المقومات ما يجعله أحد أخطر المنتخبات القادرة على قلب الحسابات داخل المجموعة.
فالمنتخب الذى يغيب عن نهائيات كأس العالم منذ عام 1998 يعود اليوم بعد 28 عامًا من الانتظار، وهى فترة طويلة للغاية بالنسبة لدولة تملك تاريخًا كرويًا أقدم مما يعتقده كثيرون.
ويعرف المنتخب النمساوى بلقب «المنتخب الأحمر والأبيض» نسبة إلى ألوان العلم الوطني، بينما يدخل البطولة وهو يحتل المركز الرابع والعشرين عالميًا، ليكون ثانى أعلى منتخبات المجموعة تصنيفًا بعد الأرجنتين.
وتبلغ القيمة السوقية لقائمة المنتخب 271.7 مليون يوروبينما يصل متوسط أعمار اللاعبين إلى 28.5 عامً وهو رقم يعكس وجود مجموعة من اللاعبين فى أفضل مراحل النضج الكروي.
ويتواجد 23 لاعبًا من أصل 26 لاعبًا محترفون خارج النمسا، بنسبة 88.5 ٪ من إجمالى اللاعبين، وهو ما يعكس نجاح المدرسة النمساوية فى تصدير المواهب إلى أبرز الدوريات الأوروبية.
يقود المنتخب المدرب الألمانى رالف رانجنيك، أحد أبرز الأسماء التدريبية فى أوروبا خلال العقدين الماضيين، ولا يرتبط اسم رانجنيك فقط بالتدريب، بل يعد أحد أهم العقول التى ساهمت فى تطوير كرة القدم الحديثة، وكان له دور كبير فى تشكيل فلسفة الضغط العالى التى أصبحت جزءًا أساسيًا من اللعبة المعاصرة.
أما قائد المنتخب فهو دافيد ألابا مدافع ريال مدريد، أحد أشهر اللاعبين فى تاريخ الكرة النمساوية الحديثة، وعلى مدار مسيرته نجح ألابا فى التتويج بالعديد من البطولات الكبرى مع الأندية التى لعب لها، ليصبح رمزًا للجيل الذهبى الحالي.
ورغم أن النمسا لا تملك سجلاً حافلاً فى كأس العالم مثل الأرجنتين، فإن تاريخها المونديالى يحمل صفحات مهمة، فقد شارك المنتخب فى البطولة سبع مرات سابقة، وحقق أفضل إنجاز له بالحصول على المركز الثالث فى نسختى 1934 و1954، وهى نتائج تؤكد أن النمسا كانت فى فترات سابقة من بين القوى الكبرى فى كرة القدم الأوروبية.
الأردن.. المشاركة الأولى
يمثل المنتخب الأردنى القصة الأكثر إلهامًا فى المجموعة العاشرة بأكملها فلسنوات طويلة ظل التأهل إلى كأس العالم حلمًا يراود جماهير الكرة الأردنية، اقترب المنتخب أكثر من مرة، وطرق أبواب المونديال فى مناسبات مختلفة، لكنه كان يعود فى كل مرة بخيبة أمل جديدة، ثم جاء التأهل التاريخى إلى كأس العالم 2026 للمرة الأولى فى تاريخ المملكة.
ولهذا السبب لا ينظر الأردنيون إلى هذه المشاركة باعتبارها مجرد ظهور عابر فى البطولة، بل باعتبارها لحظة تاريخية ستظل محفورة فى ذاكرة الأجيال القادمة، تمامًا كما تتذكر الشعوب مشاركاتها المونديالية الأولي.
ويبلغ متوسط أعمار اللاعبين 28 عامًا، وهو رقم يمنح المنتخب مزيجًا جيدًا بين الخبرة والحيوية، كما تضم القائمة 15 لاعبًا محترفًا خارج الأردن مقابل 11 لاعبًا يتواجدون فى الدورى المحلي، ليكون أكثر منتخبات المجموعة اعتمادًا على لاعبيه المحليين.
ويقود المنتخب المدرب المغربى جمال السلامى الذى نجح فى مواصلة العمل الذى بدأته الكرة الأردنية خلال السنوات الأخيرة، مستفيدًا من جيل موهوب فرض نفسه بقوة على الساحة الآسيوية.
أما شارة القيادة فيحملها المدافع المخضرم إحسان حداد، أحد أكثر اللاعبين خبرة فى صفوف المنتخب، بينما يمثل موسى التعمرى النجم الأبرز والأكثر شهرة داخل التشكيلة الحالية.
ويضم المنتخب مجموعة من الأسماء التى أصبحت مألوفة للجماهير العربية والآسيوية، يتقدمها موسى التعمرى وعلى علوان ونور الروابدة ويزن العرب ونزار الرشدان ومحمد أبو زريق «شرارة»، إلى جانب عدد من اللاعبين الذين ساهموا فى صناعة الإنجاز التاريخي.
كما يدخل الأردن البطولة دون ضغوط حقيقية، وهو أمر قد يتحول إلى ميزة مهمة، فالجميع يرشح الأرجنتين للتصدر، ويرى كثيرون أن الصراع على البطاقة الثانية سيكون بين الجزائر والنمسا، وهو ما يمنح الأردن فرصة للعب بحرية ومحاولة استغلال أى فرصة لصناعة المفاجأة.









