شهدت الساحة الفنية ومنصات التواصل الاجتماعى خلال السنوات الأخيرة حالة من الجدل المتكرر بسبب ممارسات وسلوكيات صادرة عن بعض المحسوبين على الفن وصناعة المحتوى، وصلت فى بعض الأحيان إلى تقديم مظاهر وتصرفات اعتبرها كثيرون بعيدة عن قيم المجتمع المصرى وثقافته الراسخة، وقد تصاعدت حدة النقاش مؤخراً بعد ظهور بعض الفنانين والمؤثرين بإطلالات وسلوكيات أثارت استياء قطاعات واسعة من الرأى العام، التى رأت فيها خروجاً على الذوق العام وتحدياً للعادات والتقاليد التى تشكل جزءاً أصيلاً من الهوية الوطنية.
ولم يعد الأمر مقتصراً على خلاف حول الأزياء أو أساليب التعبير الفنى، بل تحول إلى قضية مجتمعية أوسع تتعلق بالمسئولية الأخلاقية لمن يمتلكون القدرة على التأثير فى ملايين الشباب والمراهقين، فالفنان أو صانع المحتوى لم يعد مجرد شخص يقدم عملاً فنياً أو مادة ترفيهية، بل أصبح نموذجاً يتابعه قطاع كبير من الجمهور ويتأثر بما يقدمه من أفكار وسلوكيات وأنماط حياة.
وتتزامن هذه الظواهر مع تحديات تربوية كبيرة تواجه الأسرة المصرية، التى تبذل جهوداً مضاعفة للحفاظ على منظومة القيم والأخلاق لدى الأبناء فى ظل الانفتاح الرقمى الهائل، فالآباء والأمهات يجدون أنفسهم فى مواجهة محتوى متدفق على مدار الساعة، يتضمن أحياناً رسائل وسلوكيات تتعارض مع ما يسعون إلى ترسيخه من مبادئ الانضباط والاحترام والالتزام المجتمعى.
كما أن بعض منصات التواصل الاجتماعى تحولت إلى ساحات مفتوحة يسعى فيها البعض إلى تحقيق الشهرة السريعة من خلال الإثارة والجدل واستفزاز الرأى العام، حتى أصبح تجاوز الخطوط الحمراء وسيلة لجذب المشاهدات وزيادة التفاعل.
ولا يمكن إنكار أن الفن المصرى عبر تاريخه الطويل كان أحد أهم أدوات بناء الوعى الوطنى وتعزيز الهوية الثقافية العربية، فقد قدمت الأجيال السابقة أعمالاً خالدة جمعت بين الإبداع والرسالة والقيم، وأسهمت فى تشكيل وجدان الأمة العربية لعقود طويلة، ومن هنا فإن الحفاظ على مكانة الفن المصرى يتطلب التمييز بين الحرية المسئولة والفوضى التى تتستر خلف شعارات الانفتاح والتجديد.
أرى أن مواجهة تلك الظواهر لا تكون بالمصادرة أو التضييق، وإنما عبر تفعيل دور المؤسسات الثقافية والتعليمية والإعلامية، وتعزيز المحتوى الهادف، ودعم النماذج الإيجابية القادرة على مخاطبة الشباب بلغة العصر دون التخلى عن الثوابت الوطنية والأخلاقية.. كما أن حماية الهوية المصرية أصبحت مسئولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والإعلام ومؤسسات الدولة والمجتمع المدنى، فالحفاظ على الشخصية المصرية وقيمها الحضارية ليس خيارا فكرياً، بل ضرورة وطنية ترتبط بأمن المجتمع واستقراره ومستقبل أجياله القادمة فى مواجهة محاولات التشويه ومحو الهوية وتغيير بوصلة الأجيال القادمة .. وآخراً وليس بأخر، حافظوا على مصر.









