لا توجد صورة أوضح من تلك التى نراها اليوم أمام أعيننا؛ صورة تكشف بجلاء حقيقة الأصدقاء والأعداء، ومن يقف معنا ومن يتربص بنا. ودون الغرق فى التفاصيل أو الانزلاق إلى استنتاجات متعجلة، يبدو أن بؤرتى التحدى الأكبر للأمن القومى المصرى تتمثلان فى نقطتين واضحتين: إسرائيل فى شرق المتوسط، وإثيوبيا فى شرق إفريقيا حيث منابع النيل.
***
لقد تحولت إثيوبيا، فى نظر كثيرين، من دولة جوار إفريقية إلى مصدر تهديد استراتيجى لمصالح مصر المائية، فى سياق إقليمى ودولى معقد تشابكت فيه المصالح والحسابات الجيوسياسية. ويرى عدد من الباحثين أن فكرة الضغط على مصر عبر منابع النيل ليست وليدة اللحظة، وإنما تعود جذورها إلى عقود طويلة مضت، حين بدأت دوائر دولية وإقليمية فى البحث عن وسائل للحد من النفوذ المصرى فى محيطه العربى والإفريقى.
***
وتشير بعض الوثائق والدراسات إلى أنه فى أواخر خمسينيات القرن الماضى تشكل ما عُرف لاحقًا فى الأدبيات السياسية بـ «تحالف الأطراف»، الذى ضم إسرائيل وتركيا وإيران الشاه، بهدف بناء شبكة من العلاقات والتحالفات على أطراف العالم العربي. وكان الهدف الأساسى هو محاصرة المجال العربى من أطرافه الجغرافية والاستراتيجية، ومنع تشكل قوة إقليمية قادرة على توحيد المنطقة أو قيادة مشروع نهضوى عربي
وفى هذا السياق، برزت إثيوبيا باعتبارها شريكًا مهمًا فى الجنوب، بحكم موقعها الجغرافى وسيطرتها على منابع النيل الأزرق، بينما مثلت تركيا نقطة ارتكاز فى الشمال، وإيران الشاه نقطة ضغط فى الشرق. وهكذا تشكل ما يشبه «الرماح الثلاثة» التى تحيط بالعالم العربى من جوانبه المختلفة.
***
ومع مرور السنوات، لم تعد تلك التصورات مجرد أفكار نظرية. فقد أقامت تركيا سلسلة من السدود العملاقة على نهرى دجلة والفرات، كان من أبرزها سد إليسو، بما ترتب عليه من تأثيرات مائية واسعة على العراق وسوريا. وفى الجنوب، مضت إثيوبيا فى مشروعها الضخم على النيل الأزرق، وهو سد إثيوبى، الذى تحول إلى أحد أخطر ملفات الأمن القومى المصرى خلال العقود الأخيرة.
***
واللافت أن فكرة إقامة السدود على النيل الأزرق ليست جديدة تمامًا. ففى عام 1964 صدر تقرير مهم عن هيئة الاستصلاح الأمريكية بعنوان «الأرض وموارد المياه فى حوض النيل الأزرق»، تناول إمكانات التنمية المائية فى الحوض، واقترح إنشاء عشرات المشروعات والسدود على النيل الأزرق وروافده. وكان من بين المشروعات المقترحة آنذاك ما عُرف باسم «سد الحدود»، وهو المشروع الذى يرى كثير من الباحثين أنه يمثل النواة الأولى للفكرة التى تجسدت لاحقًا فى السد الإثيوبى.
***
قد يختلف الباحثون حول بعض التفاصيل، وقد تتباين التفسيرات بشأن الدوافع والأدوار، لكن الثابت أن معركة المياه أصبحت إحدى أهم معارك القرن الحادى والعشرين، وأن الأمن المائى لم يعد قضية فنية أو هندسية فحسب، بل تحول إلى قضية وجود وبقاء للدول والشعوب.
ولذلك فإن قراءة ما جرى ويجرى فى منابع النيل ليست ترفًا فكريًا ولا اجترارًا لوقائع التاريخ، وإنما محاولة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل، فالأمم التى لا تقرأ خرائط التهديد جيدًا تدفع ثمن جهلها من أمنها واستقرارها وحق أبنائها فى الحياة.









