فى لحظات التوتر الإقليمى الحاد، تبرز الدبلوماسية المصرية كأحد أكثر الأدوات فاعلية وتأثيراً فى المشهد العربى، ومع تزايد وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضى اللبنانية، لم تكتف مصر بدور المراقب، بل تحولت إلى محور ارتكاز للجهود الدوليـــة والإقليمية الســــاعية لوقف العدوان، وحماية سيادة لبنان، ومنع انزلاق المنطقة إلى أتون صــراع شــامل لا تحمد عقباه. إن هذا الدور المصرى لا ينبع من فراغ، بل يستند إلى عقيدة سياسية راسخة تؤمن بأن استقرار لبنان هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومى المصرى والعربى.
وتعتمد مصر استراتيجية الدبلوماسية الهادئة والنشطة فى آن واحد، فعلى مدار الأشهر الماضية، كثفت القاهرة اتصالاتها مع كافة الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة، من واشنطن إلى بيروت، ومن العواصم الأوروبية إلى أروقة الأمم المتحدة.
هذه التحركات، التى يقودها الدكتور بدر عبدالعاطى وزير الخارجية بتوجيهات مباشرة من الرئيس عبدالفتاح السيسى، تركز على هدفين رئيسيين. وهما
الضغط من أجل وقف فورى للعدوان الإسرائيلى من خلال المطالبة بانسحاب القوات الإسرائيلية فوراً من الأراضى اللبنانية، ورفض سياسة فرض الأمر الواقع عسكرياً.
وكذلك خلق شبكة أمان سياسية بتوفير غطاء دولى يسمح للدولة اللبنانية بالتحرك من موقع قوة، بعيداً عن ضغوط الاستقطاب، لفرض سيادتها على كامل أراضيها. ولابد من دعم سلطة الدولة كحل مستدام، حيث تدرك مصر أن الأزمات المتلاحقة فى لبنان لها جذور عميقة مرتبطة بضعف مؤسسات الدولة وتعدد مراكز القوى. ولذلك فإن الموقف المصرى يشدد دائماً على ضرورة تمكين الجيش اللبنانى والمؤسسات الشرعية من الاضطلاع بدورها الكامل.
وتؤكد القاهرة فى كل محافلها أن استقرار لبنان لن يتحقق إلا عبر تطبيق قرار مجلس الأمن رقم 1701، بكافة بنوده دون انتقائية، لضمان حصر السلاح بيد الدولة وبسط سيادتها. هذا الطرح المصرى يمثل رؤية واقعية وعملية، حيث تراهن مصر على تقوية مؤسسات الدولة اللبنانية كسبيل وحيد لقطع الطريق أمام الذرائع الإسرائيلية المستمرة، ولضمان حماية المواطن اللبنانى من تبعات الحروب.
ولا تقتصر المبادرات المصرية على البيانات السياسية، بل تمتد لتشمل دعماً مباشراً يعزز من صمود الشعب اللبنانى. فقد شهدت الفترة الأخيرة تنسيقاً مكثفاً لفتح قنوات إنسانية لدعم المتضررين، إضافة إلى تفعيل اتفاقات ثنائية فى مجالات الأمن الغذائى والطاقة، مما يعكس حرصاً مصرياً على ألا يظل لبنان رهينة للأزمات الاقتصادية التى تستغلها القوى الخارجية لفرض أجنداتها.
كما تلعب الأجهزة الأمنية والاستخباراتية المصرية دوراً حيوياً فى التنسيق المباشر مع المسئولين اللبنانيين لتبادل الرؤى وتذليل العقبات أمام المبادرات الدبلوماسية، وهو ما لمسه الجانب اللبنانى فى أكثر من محطة، حيث ينظر للقاهرة كحليف موثوق يتحدث بلسان المصلحة الوطنية اللبنانية.
وفى ظل اتساع رقعة الصراع، تخوض مصر معركة أخرى لا تقل أهمية، وهى معركة «الوعي». وترفض مصر الانجرار وراء السيناريوهات التى تهدف لتفكيك الدولة اللبنانية، وتعمل على تعرية النوايا الإسرائيلية المبيتة أمام المجتمع الدولى. إن توصيف مصر لما يجرى فى لبنان بأنه استباحة للسيادة وعدوان سافر يضع العالم أمام مسئولياته الأخلاقية والقانونية، ويمنع تحول الاعتداءات إلى حالة طبيعية يتم القبول بها دولياً. إن الدور الذى تلعبه مصر اليوم تجاه لبنان ليس مجرد خيار سياسى، بل هو استجابة لنداء التاريخ والجغرافيا. فمصر التى طالما كانت الملاذ والظهير لكل الأشقاء، تدرك أن ضعف الحلقة اللبنانية يعنى اهتزازاً للمنظومة الإقليمية بأكملها.
إن استمرار القاهرة فى جهودها الدبلوماسية، ومطالبتها المستمرة للمجتمع الدولى بالتحرك، يعكس إصراراً على أن يكون الحل سياسياً وقائماً على احترام سيادة الدول، وليس من خلال التوغل العسكرى. وبينما يواصل المسئولون المصريون حراكهم المكثف، يظل الرهان كبيراً على أن تنجح هذه الدبلوماسية فى نزع فتيل الأزمات، وأن يحافظ لبنان على وحدته وقراره الوطنى المستقل فى وجه العواصف التى تضرب المنطقة.









