تُشكّل المكاتب الثقافية المصرية بالخارج، التابعة لقطاع الشؤون الثقافية والبعثات بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ثقلًا استراتيجيًا للدولة المصرية.
فهذه المكاتب الـ21 المنتشرة حول العالم ليست مجرد مقار إدارية، بل تُعد أحد أبرز أدوات “القوة الناعمة” للدولة المصرية، والمنوط بها تعزيز مكانتها الإقليمية والدولية، وبناء جسور التواصل العلمي والمعرفي مع مختلف دول العالم.
ومن أجل هذه الغاية القومية، وضعت الدولة نظاماً صارماً يُفترض ألا يحيد عن معايير الكفاءة، سواء في اختيار الملحقين الثقافيين أو في تحديد مدد عملهم بالخارج، والتي حُددت بأربع سنوات كحد أقصى لا يجوز تجاوزه، ضماناً لضخ دماء جديدة وتحقيق تكافؤ الفرص.
لكن على أرض الواقع، نجد خلال الفترة الماضية مشهدًا مغايرًا يكشف عن حالة من الترهل الإداري والمجاملات التي تضرب القوانين واللوائح بعرض الحائط.
إن هذه المهمة الوطنية الجليلة تضررت، بداية من “التغافل” عن نشر الإعلانات الدورية للمتقدمين الجدد لشغل هذه المناصب منذ ما يزيد على عام، وهو ما وضع الوزير أمام خيار واحد فقط، يتمثل في الموافقة على التمديد لمن انتهت مددهم القانونية، أو حتى لمن بلغوا سن المعاش، تحت ذريعة عدم وجود البديل.
أما المشهد الأكثر غرابة، فهو ما جرى مؤخرًا من تكليف الملحقة الثقافية في فرنسا، والتي قضت في مهمتها حتى الآن خمس سنوات وثلاثة أشهر، بالإشراف أيضاً على المكتب الثقافي في إنجلترا. أي أننا أمام مهمة “بروحين” ومنصب عابر للبحار، بحيث إنه إذا تم إنهاء عملها في فرنسا، تستمر في الإشراف على مكتب إنجلترا.
والسؤال الذي يفرض نفسه: هل عَقُمت الجامعات المصرية ومراكزها البحثية عن إنجاب كفاءة واحدة تتولى إدارة مكتب إنجلترا، ليتم الاستعانة بمسؤول واحد يدير مكتبين في عاصمتين بثقل باريس ولندن في آن واحد؟!
إن مثل هذه النماذج من الخلل الإداري لا يقتصر أثرها السلبي على إحباط الكفاءات الأكاديمية والموظفين بالوزارة والجامعات الذين ينتظرون فرصتهم المشروعة، بل يمتد ليؤثر على كفاءة القطاع ككل.
ولعل هذا ما رأيناه في تقرير حصاد قطاع البعثات لعام 2025؛ ففي بلد يملك تاريخاً طويلاً في الابتعاث والتعاون العلمي الدولي، لم يذكر التقرير أي إنجاز ملموس سوى في ثلاث دول فقط، بينما غرق باقي التقرير، وهو في الأصل تقرير قصير، في بحر من العبارات الإنشائية، دون رقم واحد أو إحصائية دقيقة تعكس العائد على الاستثمار.
وذلك رغم أن الحكومة، وبرغم كل التحديات الاقتصادية والمالية والضغوط الواقعة على العملة الصعبة، لم تقصر أبداً ولم تبخل يوماً في تمويل هذا القطاع وبعثاته بالعملة الأجنبية، إيماناً منها بأن الاستثمار في العلم هو استثمار في المستقبل.
وفي الختام، نؤكد أن هذه المساحة الحرة للرأي في “جريدة الشعب الأولى” لا تستهدف على الإطلاق شخصًا بعينه، بقدر ما تستهدف دعم خطط الدولة الطموحة في التنمية المستدامة القائمة على التعليم والبحث العلمي.
إننا بحاجة ماسة اليوم إلى “تفكير خارج الصندوق” لاستغلال هذا القطاع الحيوي وتعظيم عوائده المالية والعلمية والثقافية. وهو ما سيكون محور مقال قادم بإذن الله، وبانتظار أفكاركم ومقترحاتكم عبر البريد الإلكتروني.









