تتفاقم كل يوم عدة مشاكل اجتماعية ظاهرها بسيط، تبدو أسبابها سطحية كان من الممكن تجاوزها، بينما هي عميقة كاشفة، مع تراكمها تزداد حدة الناس تجاه بعضهم البعض، بدءاً من مشاكل الأسرة والتي لا تتفق جميعها في تفاصيل واحدة، ولا ظروف مشابهة، إلى التفاعل مع أي خبر حتى وإن كان بسيطاً، إذ فجأة يتحول الأمر لمعركة كبيرة، تأخذ مساحة من تراشق الاتهامات والسباب واللعن لمجرد الاختلاف، الذي هو سمة طبيعية بين البشر.
ولكن السؤال الملح: كيف تكيف الناس مع إشكالياتهم ومتاعب حياتهم وظروفهم المعيشية الصعبة؟ كيف غضوا البصر عن جملة الفواتير والغرامات والضرائب التي يدفعها المواطن وكأنه معتم العينين أو أصم وأبكم؟ أصبح لا يناقش أحواله المعيشية، وكأن إرادته حتى لفعل الفضفضة أو النقد أو الشكوى قد ماتت.
أصبحت معاركنا المصيرية ميتة، لا نتناولها ولا نحاول، كل ما استطاع أن يفعله المواطن هو فعل الإزاحة الذي مكنه من الانتقام في مقامات أخرى وأبواب تعينه على التنفيس عن غضبه حتى وإن حرض أو أهان أو اعتنق أفكاراً انتقامية من الآخرين..
كيف وصلنا إلى هذا الحد من القسوة والقوة النفسية أن نستسيغ مشاهد العنف بل نصنعها أحياناً؟ ولماذا كلما تعرض إنسان للقهر والقمع، مارس نفس هذا العنف والقمع على من هم أضعف منه؟ بكل أسف أرى كمثلي يومياً حوادث ضد النساء والبنات، في الشارع أو البيت أو العمل، من زميل أو رئيس في العمل أو من زوج أو من أب أو أخ، ولست بصدد الدفاع عن المرأة، أبداً.
هذه رؤية لما يحدث، وإذا انتقدت أو أعربت عن مجرد رأي في جملة لا تعني أي تغيير لأي شيء، تصب مئات اللعنات والوصف المسيء لشخصك بلا أي سبب، سوى أنها حالة تفريغ شحنات القهر والقمع في أي مختلف معك، انتقام لم يسبق أن رآه مجتمعنا الذي كان يوصف بأنه أطيب الشعوب وأكثرها أصالة.
ما الذي حل بنا؟ وكيف يمكن وصفه وتحليله وإعادة تدويره لإنتاج أمل يظلل مخاوفنا وشرودنا ويدفعنا للتغيير للأفضل؟ أظن أن الناس ماضية في طريق أسوأ من قبل.. إلا إذا حدثت معجزة تفتح أبواب الحوار لا لأجل إثبات الذات، ولكن من أجل محاسبة المسؤولين عن ضياع أمان المواطن واستقراره النفسي.









