أهلًا بكم
أنتمي وزميلاتي وزملائي الشعراء العرب إلى منطقة جغرافية قدمت للعالم الأبجدية منذ ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد. حضارتان مختلفتان اخترعتا الأبجدية بالتزامن، وحولتا الكلام إلى حروف: حضارة مصر القديمة، وحضارة ما بين النهرين في منطقة الهلال الخصيب. مكّنتا الإنسان من أن يدوّن قطعًا من روحه على ألواح ورقع جلدية، فكان الشعر. وها نحن في رحاب حضارة متراكمة، هي الحضارة الصينية التي منحتنا ومنحت العالم فلسفات عظيمة وشعراء كبار.
أقول، قبل أكثر من ألف عام، عاش الشاعر العربي الكبير أبو العلاء المعري، وأطلق على نفسه لقب رهين المحبسين، محبس عمى بصره، ومحبس بيته الذي لزمه ابتعادًا عن الناس. الشاعر الآن رهين محابس عديدة؛ محبس لُغته التي يتوجب عليه أن يخلق منها لغة مختلفة كليًا، ومحبس عمله الذي يعتاش منه، ومحبس انتمائه الجغرافي والثقافي في عالم يعج بالجنون، ومحبس العجز عن الاعتزال ليتأمل ويكتب. كيف يستطيع الشاعر أن يكتب وكل هذه القنابل تنهمر من حوله، كيف يستطيع أن يتأمل وأطراف الأطفال المبتورة تقتحم الشاشات عليه، كيف يطور لغته وهناك الآلات الحديثة “الذكية” التي تفسد عليه لغته ولغة غيره، بل وتكتب الشعر إذا طلب منها.
أقول،
وسط هذا الخراب الذي يحيط بنا، ليس بوسع الشاعر أن يصم أذنيه عما يحدث من حوله، لكن ليس عليه أيضًا أن يكتب معلقًا على الأحداث، القصيدة ليست نشرة أخبار، وهذا جمالها ومأساتها أيضًا، وعلى الشاعر أن يكافح بين الجمال والمأساة. لا يوجد تعريف للشعر، غير أنني ارتحت لتعريف صغته لنفسي: أن أكتب جملة في قصيدة يشعر بها ويفهم لغتها الشعرية صديق آخر يعيش في أقاصي الأرض ويتحدث لغة مختلفة.
هكذا، تصبح ترجمة الشعر واجبة، وتصبح مثل هذه اللقاءات بيننا كسر لمحبس من المحابس.
أنا، وأغلب الشاعرات والشعراء العرب المدعوين هنا، وكذلك الشاعرات والشعراء الصينيين التقينا عبر الكتابة والقراءة والترجمة، لكننا نتقابل وجهًا لوجه للمرة الأولى، والفضل لمهرجان الشعر الدولي الذي جمعنا معًا
فشكرًا لكم وشكرًا للشعر”
قالها وجدي في “ قوانغشتو”: على الشاعر أن يكافح بين الجمال والمأساة

هذه الكلمات كتبها وألقاها الشاعر والكاتب الصحفي المصري يحيى وجدي على جمهور كبير من الكتاب والشعراء والمبدعين من مختلف الجنسيات ومن كل الثقافات في حفل افتتاح المهرجان الدولي لشعر الشباب 2026 بالصين (دورة الصين والدول العربية) والذي انطلق بالمسرح الكبير بمدينة قوانغشتو، حيث ألقى يحيى الكلمة التي أحدثت أثرا طيبا وصدى واسعا بناء على اختياره منذ شهور ممثلا للشعراء العرب ومنذ تم إعلانه بهذا مبكرا وتكليفه بكتابتها انشغل وجدي بتجهيز كلمة رصينة تليق بشاعر مصري يمثل إبداع بلده ويمثل الشعراء العرب المشاركين والشعراء جميعا في كل أنحاء الأرض.. وعن ذلك التجهيز والاستعداد وذلك الظهور المشرف والمشاركة الفعالة قال يحيى وجدي معلقا:
هذا التواصل المبكر والترتيب لكل شيء وكل فعالية وكل زيارة انعكس بوضوح على التنظيم الذي جاء منضبطًا بما لا يدع شيئًا للصدفة ولا يعرضه لأي خطأ، خصوصا في بلد بعيد بالمسافة عن المنطقة العربية رغم الهوى الواحد والقرب الثقافي القوي، لكن اللغة مختلفة تمامًا، ولأن غالبية الشعب الصيني لا يتحدث الإنجليزية، فلم تكن هناك لغة وسيطة للتواصل، ولذلك كان لكل شخص مرافق شاب متطوع يدرس العربية ويتحدثها بشكل معقول جدًا واضاف أن المشاركة تضمنت زيارات للأماكن الثقافية والتاريخية، في ثلاث مدن هي قوانغشتو التي انطلق فيها المهرجان، ومدين شنزن التي زرناها يومًا واحدًا، وأخيرًا العاصمة بكين، وكذلك المؤسسات الصناعية والتكنولوجية، فضلًا عن ترتيبات الندوات والجلسات النقدية والأكاديمية
وعن كلمته أوضح وجدي أن المسئول طلب منه كتابة تلك الكلمة لإلقائها في حفل افتتاح المهرجان وإرسالها في وقت محدد قبل المهرجان بنحو شهر كامل لترجمتها إلى الصينية ومن ثم طباعتها في أوراق المهرجان
ولفت يحيى أن إدارة المهرجان جعلت كان لكل مرافق اسم عربي اختاره لنفسه، مثلًا الدكتور باسل أو شو تشينان، الشاعر والكاتب والأكاديمي من كلية الدراسات العربية لجامعة الدراسات الأجنبية ببكين، الذي كان يتواصل منذ أن تم ترشيحي للمشاركة في المهرجان، والذي أبلغني في منتصف شهر مارس باختياري ممثلا للشعراء العرب، ضيوف المهرجان، وجمهورية الصين الشعبية،.
وأوضح وجدي أن أماكن القراءات الشعرية تنوعت على طول أيام المهرجان، لكن أكثر مكانين مميزين قرأنا فيهما الشعر، أوبرا قوانغدونغ التاريخية في مدينة قوانغشتو وتحت سفح سور الصين العظيم، إلى جانب القراءات في عدد من الجامعات ومتحف الآداب الصينية الحديثة.
وأضاف كانت القراءات تتم باختيار شاعرة أو شاعر عربي، وشاعرة أو شاعر صيني، مع ترجمة القصائد إلى اللغتين، ما جعلنا نقترب أكثر ونتعرف على أصوات بعضنا البعض الشعرية، والتي كانت تحمل همًا واحدًا في أغلبها، وانحيازات جمالية وأدبية واحدة تقريبا.

جدير بالذكر أن حفل الافتتاح شمل فقرات فنية عديدة وحضورا بارزا للشاعر العربي الكبير أدونيس وعرض فيديو له وهو يقرأ قصيدته “شجرة الأوسمانتوس” التي زرعت باسمه في الصين، ومعروف أن أدونيس يحظى باحترام وتقدير كبيرين في الصين، وقد رشحته كلية الدراسات الأدبية في جامعة صن سيت لجائزة نوبل أكثر من مرة.
حضر أيضًا في حفل الافتتاح الشاعر العربي الكبير محمود درويش، عبر قصيدته “ليت الفتى شجرة” التي عرضت باللغة الصينية ضمن عرض فني بديع
د. حسانين فهمي: فرصة عظيمة للتواصل الثقافي والحضاري
وكان المهرجان و بترتيب مع اتحاد الكتاب الصينيين قد وجه الدعوة لعدد من الشعراء المصريين منهم أيضا: منير عتيبة، شريف الشافعي ،د. مها الغنام، ملكة بدر، السعيد عبد الغني، فضلا عن عدد من الشعراء العرب بالإضافة إلى المترجم د. حسانين فهمي أستاذ اللغة الصينية بجامعة عين شمس
الذي أشارإلى ثراء المهرجان وقيمته الأدبية بما ضم من مشاركة واسعة من أسماء عربية وصينية ومنهم: شيت شوان، أو يانج شان، ومن جواندو ومن بكين وعدد من المدن الصينية، وكانت فرصة جيدة للاستماع والالتقاء بالشعراء الصينين بشكل مباشر، التي تعبر عن الانفتاح الثقافي الصيني فترة الأدب الصيني الجديد بعد تطبيق فترة الانفتاح بعد 79 وهو ما يعرف بأدب الفترة الجديدة، وعرف منهم” مويان ، جو غوا والشاعرة المعاصرة المعروفة شو تين، وهذا العام تحتفل الصين ب70 عام على تأسيس العلاقات العربية الصينية وتأسيس العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين، وهذا المهرجان يعد فرصة عظيمة للتواصل الثقافي والحضاري والأدبي بين الشعراء المصريين والعرب ومثلهم في الصين لتكون بداية لحوار مفتوح فضلا عن لقاءات وندوات تمت في الجامعات المصرية والمتاحف والأكاديميات وأضاف فهمي إن هذه اللقاءات تتيح لنا كمترجمين فرص واسعة للتعرف على المزيد من الاصوات الأدبية الصينية الجديدة من أقاليم مختلفة ، وترجمتها لاسيما أن ما ترجم عن الصينية قليل جدا مقابل من ينتجه الأدباء هناك

من العزلة إلى الصين
ملكة بدر: المهرجان حالة أدبية متكاملة
ومن جانبها قالت الشاعرة ملكة بدر معلقة على مشاركتها:.
توجهت إلى الصين وأنا أحمل إرثا كبيرًا من الصور النمطية، وخوفًا من مجهول، من بلد لم أذهب إليها من قبل، فضلا عن تخل عن عزلة اخترتها وفرضتها على نفسي لسنوات، منعتني من المشاركة في أي فعاليات ثقافية.
ومنذ اللحظة الأولى التي وصلت فيها إلى المدينة الأولى، مدينة الزهور “غوانغتشو”، تبين لي أنني اتخذت القرار الصائب بالموافقة على المشاركة.
لم يكن المهرجان فقط تجمعًا لشعراء ومترجمين وكُتاب، وإنما كان حالة أدبية متكاملة، اجتمع فيها الشعر والصداقة والتاريخ فضلا عن الإدراك بأن التجربة الإنسانية -على تفردها- مشتركة جدًا بين البشر.

تضمنت فعاليات المهرجان حوارا أكاديميا حول الشعر بين الأصالة والمستقبل، وعدة قراءات شعرية، عربية وصينية، جعلتني أدرك كم كانت عزلتي عن أوساط الشعر خسارة كبيرة، إذ أضاعت عليّ إلهاما كبيرًا، وفوتت فيها فرصًا لتلاقي أدبي حساس مع كتّاب رفيعي المستوى.
كنت في بلد لا أعرف لغتها، ولا يتحدث أحد فيها الإنجليزية، بينما يتحدث المتطوعون معنا العربية الفصحى، وأضافت ملكة
تجربة مهرجان شعر الشباب في الصين لن تنسى، فقد ألقت في طريقي مدنا لا أعرفها، ولغة لا أتحدثها، وأدباء موهوبين رفقتهم مؤنسة رغم وحشة الغربة في أقصى الطرف الآخر من مصر. هذه التجربة ألهمتني كثيرًا، دفعتني لأقرأ شعري في جامعة بكين، وأمام حضور يتحدثون العربية والصينية، من مختلف الاهتمامات، تركت فيّ أثرًا لن ينسى، وأخرجتني من عزلة كنت أظنها لا تنتهي.
.
منير عتيبة: ثلاث فعاليات في أماكن تاريخية وحديثة كل يوم
ومن جانبه أكد الشاعر والكاتب منير عتيبة أن المشاركة كانت فرصة مهمة بالنسبة له قائلا: ، تأكدت خلالها عمليًا من صدق النتائج التي توصلت إليها من خلال قراءتي السابقة للأدب الصيني: الاهتمام العظيم بالنجاح اعتمادًا على العلم والعمل معًا، الإعلاء من قيم الإنسانية، عدم تجاهل ما في الطبيعة البشرية من نقص وشر، والتعامل معه بواقعية، الرغبة في التقدم والاستعداد له وبذل ما تحتاجه من جهد، وعدم التسرع في الوصول إلى النتائج. كما كان المهرجات فرصة عظيمة للتعرف على أصوات مبدعة ومتميزة من الشعراء والشاعرات العرب والصينيين تجعل خريطة الشعر العربي بالنسبة لي تتسع اتساعًا كبيرًا ولا تقتصر على اسمين أو ثلاثة مكرسين من كل بلد عربي.

وأضاف: كنا “نعمل” من التاسعة صباحًا حت التاسعة مساءً تقريبًا يوميًا، ثلاث فعاليات في أماكن تاريخية وحديثة كل يوم، من سور الصين العظيم، إلى المدينة المحرمة، إلى متحف التكنولوجيا، إلى برج قوانغدونج وغيرها، نرى التاريخ وأحلام المستقبل لاتي تتحقق أمام اعيننا في اليوم نفسه، ونقرأ الشعر ونستمع إليه في الأماكن ذاتها.
وختم بقوله: أعترف بصدق أن منظمي المهرجان كانوا من المهارة بحيث استطاعوا أن يجعلوا من كان محايدًا يعود محبًا للصين، ومن كان محبًا لها يزداد هذا الحب، والجميع مبهورون بعراقة التاريخ وقدرات الحاضر في الوقت ذاته

يذكر أن جميع المشاركين تبرعوا بنسختين من دواوينهم الشعرية إلى جانب قصائد بخط اليد، نسخة وضعت في متحف قوانغدونغ للأدب، ونسخة أخرى وضعت في المتحف الوطني للأدب الصيني الحديث
وقد حظي المهرجان بتغطيات إعلامية كبيرة في الصحف الورقية في المدينتين، وفي تغطية التلفزيون المركزي الصيني وفي المحطات المحلية
د. مها الغنام:أهديت كتبي لمتحفي” قواندونغ” و “الوطنى” للآداب

ني هاو- سيسياه
بينما علقت د. مها الغنام على مشاركتها قائلة: كان لمشاركتى فى المهرجان بالغ الأثر على وعلى نظرتى للأمور ، ذهبت وأنا لا أجيد من اللغة الصينية غير كلمة (نى هاو) والتى تعنى مرحبا، وعدت وقد أضفت لقاموسى كلمة( سيسياه) والتى تعنى شكرا، فشكرا للتجربة التى علمتنى أن أفهم الآخر حتى ولو كانت لغته مختلفة أنا أبذل جهدا لأتواصل معه ولو تم ذلك عن طريق لغة وسيطة، أدركت أن رغم اختلاف الملامح ،التاريخ، الأحلام الأفكار، لون البشرة، الواقع المعاش فهناك مشترك لنا أن نبحث عنه ونعززه، تعلمت أن الآخر يجب أن تسمعه وتفهمه وتقدره وتحترمه لا تسخر منه، جمال باذخ فى الصين، تاريخ عظيم أناس لا تفارق الابتسامة وجوههم جادين لكنهم يعرفون كيف يمرحون، يتطلعون للمستقبل لكنهم يجلون تراثهم حد التقديس، قرأت الشعر فى جامعة قواندونغ وفوق سور الصين العظيم، صعدنا برج قواندونغ وركبنا مركب أبحر بنا فى نهر اللؤلؤ، زرت المدينة المحرمة ومصنع بكين للمينا، أهديت كتبى لمتحف قواندونغ للآداب والمتحف الوطنى للآداب، تناولت بعض أطعمتهم فاكهتهم، قرأت أشعارهم، ودارت بينى وبينهم حوارات فكرية وثقافية شديدة العمق ، قابلت شعراء مصريين وعرب وصينيين لم اكن أعرفهم من قبل، تجربة أثق كثيرا أننى لن أنساها.









