هل يمكننا أن نعرف ما يحدث لغيرنا من نفس البلد، ولكن فى مكان بعيد؟
وهل من الصعب تخيل ما يحدث لهذا الغير فى حالة ذهابه لامتحان الثانوية العامة، لجنة المنازل؟
وأى صورة نتخيلها عن امتحان يذهب إليه الناس غالباً لأغراض أخرى غير التعليم؟
يطرح علينا فيلم «برشامة» ما نعرفه، وما لا يمكننا تخيله عن الناس والامتحان حين يكون رغبة ضرورية لمن فاتته فرص مهمة، أو أراد تغيير مساره، أو حتى الاستمرار فى موقعه حتى لا يذهب لغيره مثل عمدة القرية التى جرى فيها الامتحان «بأداء باسم سمرة» المصمم على نجاح ابنه «مصطفى غريب» فى هذا الامتحان حتى لا تذهب العمودية لمنافسه أبوسويلم، لنكتشف منذ لحظة البداية أن امتحان لجنة المنازل هو فى حقيقته امتحان للمصابين اجتماعياً بكل ما يخص مشاكل المجتمع وقضاياه، فإذا كانت زينب «فاتن سعيد» تبحث من خلال التعليم والامتحان عن خلاص من عنف شقيقها الذى يرفض أن تتعلم وفقاً لرغبة من اختاره ليتزوجها، وحضر الاثنان لمنعها من دخول الامتحان، أما لولا الشقراء ذات النظرات الناعمة «ريهام عبدالغفور» فهى الراقصة التى انجبت طفلة تريد تربيتها بعيداً عن الرقص وتبدأ بالتعليم للبحث عن عمل آخر ولكنها لا تنسى سلوك مهنتها وهو ما يضعها فى خلاف مع عبدالحميد «هشام ماجد» الرجل المتدين الذى جاء للامتحان ويرفض أى تجاوزات، وامرأة ثالثة «عارفة عبدالرسول» ترتدى جلباب أسود وضعت تحته كل الكتب والملازم لحل أسئلة الامتحان وتدافع عن الرجل الذى اقتحم اللجنة وتعارك مع الكل «حاتم صلاح» ونصب نفسه ليقوم بدور مراقب الامتحان «كمال أبورية» الذى اغمى عليه فاعتقدوا موته، وآخرون شاركوا فى هذا الامتحان، وفيما حدث فيه من تجاوزات، ومصائب لأسباب كثيرة، أولها الغش الذى كان رغبة مسيطرة على الأغلبية، بوسائل متعددة، وايضا الخلاص من أزمة، والبحث عن فرصة أخرى فى الحياة، ومحاولات كل واحد وواحدة من «التلامذة» للتحقق على حساب غيره فى مكان بعيد، ومغلق، ومدير لم يأت حتى النهاية «محمد أبوداوود».
بين الخوف.. والكذب.. والحق
يأخذنا «برشامة» إلى عالمين متوازيين من اللحظة الأولي، عالم القصة والسيناريو والشخصيات بكل اختلافها، والمكان الذى اختفى من ذاكرتنا من خلال كتاب الفيلم الثلاثة أحمد الزغبى وشيرين دياب وخالد دياب الذى هو أيضا مخرج الفيلم الذى يأخذنا إلى عالمه ويضع بصماته على كل ما يخص الصورة من إيقاع وتتابع وموسيقى تتميز بالصخب بتوقيع تامر كروان، وتصوير أحمد جبر ومونتاج على خيرى وكل ما يخص ما رأيناه، وأوله اختيار الممثلين بالطبع وإن كان نوع الأداء للبعض منهم غير مفهوم مثل صوت المراقب كمال أبورية، ومثل ملامح من أداء مصطفى غريب وميشيل ميلاد، ومع ذلك فإن الفيلم لم يتركنا كمشاهدين لحظة واحدة بلا توقف عن متابعة تفاعل ممثليه كتيبة امتحان الثانوية العامة، لجنة المنازل، والتى ترمز إلى قطاع من المواطنين فى هذا البلد بكل ما له، وما عليه، وتعبر أيضا عن قضايا وأمراض قديمة مازالت تتوالي، ومنها التعليم وكيف ينظر له البعض برغم أهميته، وحكايات الغش وطرقه، والغش الجماعي، وصولاً إلى الربط بينها وبين المحاباة للمحاسيب والأقارب، وغيرها من القضايا ذات التاريخ الممتد والتى لخصها لنا الفيلم فى برشامة كوميدية وأداء ساهم فى تمريرها إلينا، وحوارات تذكرنا بما نمارسه فى حياتنا من خلط بين مفاهيم كثيرة، بعضها ضد بعض.. مثل الحق والكذب وغيرها من المفردات التى ننطق بها بلا تفكير فيما تعنيه، وحين نتلقى تحذير نحاول الهرب.. فيلم يستعيد لنا بعض ما نسيناه، وما نمارسه، وأيضاً ما نرفضه ولكن بدون تفكير فى تغييره إلى الأفضل، مؤكداً فى النهاية أن التغيير ممكن من خلال التعامل بصدق مع النفس ومع الآخرين وهو ما رأيناه عبر سلوك زينب وابن العمدة وعبدالحميد وآخرين اكتشفوا أن الإنسانية أفضل فى تعاملهم مع من كانوا يرفضونهم منذ ساعات قليلة.








