فى تاريخ العلاقات الدولية، تأتى لحظات فاصلة لا يُنتبه إليها إلا حين تتحول من «توقعات المحللين» إلى «وقائع الدبلوماسية»، وما شهدته بكين فى 13-14 مايو الماضى، من لقاء بين الرئيسين الأمريكى والصينى، لم يكن مجرد قمة ثنائية عابرة، بل كان لحظةً تاريخيةً كرست واقعًا إستراتيجيًا جديدًا: «نهاية الأحادية القطبية الأمريكية، وبدء عصر «الثنائية القطبية» بين واشنطن وبكين، ليس فقط كقوتين اقتصاديتين، بل كـ«واضعتى نواميس» للنظام الدولى المقبل.
حين أطلق الرئيس الأمريكى الأسبق باراك أوباما مصطلح «G2» قبل أكثر من عقد، كان يقصد به إطارًا تنسيقيًا بين القوتين الاقتصاديتين الأكبر لإدارة الأزمات العالمية، لكن ما نراه اليوم يتجاوز هذا المفهوم إلى واقع أكثر تعقيدًا: ثنائية قطبية لا تقوم على التعاون الاختيارى، بل على «التعايش التنافسى الإلزامي»، كما وصفه وزير الخارجية الأمريكى السابق أنتونى بلينكن.
من المغرى وصف العلاقة «الأمريكية-الصينية» الحالية بـ «الحرب الباردة الجديدة»، خاصة مع تصاعد التنافس التكنولوجى والعسكرى، لكن اللافت أن هذا المصطلح لم يرد فى تعليقات القادة على قمة بكين 2026، بدلاً من ذلك، استخدم الرئيس الصينى شى جين بينغ مصطلحًا أكثر دقة وخطورة: «فخ توسيديد» «Thucydides Trap»، فى إشارة إلى النظرية التى صاغها المؤرخ الأمريكى جراهام أليسون، والتى تحذر من أن صعود قوة ناهضة «الصين» فى مواجهة قوة مهيمنة «أمريكا» يزيد احتمالية الصراع المسلح.
إذا كان هناك ملف واحد يلخص تعقيد العلاقة «الأمريكية-الصينية»، فهو ملف تايوان، فى قمة بكين، أسبغت الصين على اللقاء بُعدًا إستراتيجيًا واضحًا، محذرة من أى توظيف للقضية التايوانية، ورسمت «خطًا أحمر» لا تقبل تجاوزه، فى المقابل، التزمت الولايات المتحدة «صمتًا إستراتيجيًا» حول الملف، فى مؤشر على إدراكها لحساسيته القصوى.
هذا الملف بالذات هو ما يجعل العلاقة تندرج فعليًا تحت مظلة «فخ توسيديد»: الحرب واردة، والسلم ممكن. لكننا لسنا فى «بارادايم» الحرب الباردة الكلاسيكية، حيث كانت الحرب المباشرة مستحيلة بسبب التدمير المتبادل المؤكد، والسلم غير مستقر بسبب سباق التسلح. واليوم العالم أكثر تشعبًا، والأسلحة النووية تفرض رادعًا مختلفًا، والشبكات الاقتصادية المتشابكة تجعل تكلفة الصراع المباشر باهظة على الجميع.
يبدو أن العالم قد دخل مرحلة انتقالية طويلة من «تنافس العُظميين»، ستمتد لسنوات، وتأخذ أشكالاً متعددة: اقتصادية، تكنولوجية، ثقافية، وأمنية فى مناطق محددة، لن يكون هذا التنافس بالضرورة صراعًا وجوديًا، بل قد يكون محركًا للابتكار وإعادة تعريف قواعد اللعبة الدولية.
الرهان الأكبر اليوم هو تجنب الوقوع فى «فخ توسيديد» بالمعنى العسكرى، وكما يؤكد جراهام أليسون نفسه، فإن التنافس بين قوة مهيمنة وقوة ناهضة ليس حتمية تاريخية، خاصة فى عالم يمتلك أسلحة الدمار الشامل، وتشابكت مصالحه بشكل غير مسبوق.
الشرق الأوسط، كأحد مسارح هذا التنافس، سيبقى ساحة اختبار حاسمة، لكن نتائج المواجهة الحالية لم تحسم بعد صورة النظام الدولى المقبل. ما نراه اليوم هو مخاض نظام جديد، متعدد الأقطاب فى جوهره، لكن بقطبين مهيمنين يضبطان ايقاعه. ومن يقرأ هذه المرحلة بعيون الماضى فقط، يخسر مستقبله، فالقوة اليوم ليست فى الصواريخ فقط، بل فى القدرة على فهم أن العالم قد أصبح معقدًا لدرجة أن أحداً لا يستطيع الفوز فيه بمفرده.









