«قُل الحرب الإسرائيلية على المنطقة العربية، ولا تقل الحرب على قطاع غزة أو الجنوب اللبنانى فقط»، هذا هو الوصف الواقعى الذى يجب أن نتعامل معه ونستعد له فى ظل حقائق على الأرض تزيد من احتمالات المواجهة الشاملة ضمن مخططات إسرائيل الكبرى من الفرات للنيل، ومن بين هذه الحقائق، دعم الولايات المتحدة غير المحدود لإسرائيل والرئيس الأمريكى دونالد ترامب، وتمسك الأخير بحتمية تقليم أظافر إيران وإلحاق هزيمة عسكرية واقتصادية قاسية بها، وكذلك الغياب التام لدورالأمم المتحدة كمؤسسة أممية مسئولة عن تنفيذ القانون الدولى وإحلال السلام والأمن فى كل بقاع العالم، فضلا عن الموقف الصعب الذى باتت فيه بعض الدول العربية نتيجة التطورات بالمنطقة والترهيب الأمريكى المستمر بإلزامها بتوقيع الإتفاق الإبراهيمى مع إسرائيل والذى يتواكب معه تردد عربى واضح فى منع تغول إسرائيل والخوف من غدر واشنطن وتوريطها لبعض العواصم العربية فى مشاكل لا حصر لها.
>>>
بداية لابد وأن نعترف بأن العرب تأخروا كثيرا فى استيعاب ما يحدث حولهم وفى تقدير المخاطر التى تحيق بهم، ومن ثم فقد تفاجئوا بالتطورات المتلاحقة بالمنطقة وبإنعاكستها الخطيرة عليهم، ولقد كان واضحا منذ هزيمة إسرائيل فى حرب السادس من أكتوبر 1973، أن إستراتيجية أمريكا والغرب قد تغيرت تماما فى التعامل مع العرب، بالاعتماد على ضرب وحدة الدول العربية وتآلفها بعدما كانت سببا مباشرا فى نصر أكتوبر 73، وبخلق ظروف جديدة فى المنطقة من شأنها تقويض العرب واستنزاف قواهم الاقتصادية والعسكرية وقد بدا ذلك واضحا فى نهاية السبعينيات من القرن الماضى بالسماح باشتعال الثورة الإسلامية فى إيران ثم غض الطرف عما يسمى بتصدير الثورة إلى الدول المجاورة والذى كان من نتيجته نشوب حرب طويلة مع العراق وترك بها ميليشيات عسكرية موالية لطهران بعد إنتهاء الحرب، كذلك إنشاء أذرع عسكرية تابعة لإيران فى بعض الدول ممثلة فى حزب الله بالجنوب اللبنانى وميليشيات مسلحة فى سوريا ودعم الحوثيين فى اليمن إلى جانب تحريض حركة حماس على الانفصال عن السلطة الفلسطنية فى رام الله والإنفراد بحكم قطاع غزة وهو ما تسبب فى انقسام « فلسطينى – فلسطيني» والتأثير على القضية الفلسطينية بوجه عام.
>>>
لقد كان واضحا أن هناك أموراً كثيرة يجرى تدبيرها فى الخفاء، فمجرد السماح لإيران بالانتشار العسكرى فى دول عربية إلى جانب امتلاك برنامج نووى وآخر صاروخى، كان له هدف يكمن فى مخططات أمريكا والغرب بإيجاد مبررات مستقبلية لشن حرب ضد إيران وهو ماحدث ويحدث حاليا، كما أدى السماح بانتشار التنظيمات الإرهابية فى بعض الدول العربية إلى إضعاف هذه الدول، كذلك فقد كانت لثورات الربيع العربى تأثيراتها السلبية على المنطقة منذ العقد الماضى وحتى الآن، الأخطر من ذلك أن إسرائيل استغلت هذه الأوضاع فى إلحاق الضرر بدول الأقليم وفى غلق ملف القضية الفلسطينية ثم فى تنفيذ عدة حروب متتالية ومؤثرة، والمؤسف فى هذا الأمر أن هذه التطورات، كشفت إلى حد كبير خطأ العرب فى عدم الاستماع إلى صوت مصر بضرورة التعاون العسكرى والتنسيق الأمنى وتشكيل قوة عربية موحدة لمواجهة المتغيرات بالمنطقة، ولتكون النتيجة مفاجئة وصادمة للجميع.
>>>
نعود للتطورات فى المنطقة وحروب جيش الاحتلال الإسرائيلى التى لا تتوقف ولاتعترف باتفاقات أو مفاوضات، فكل الهجمات والتحركات تأتى بغرض ابتلاع الأراضى العربية ضمن مخططات «إسرائيل الكبرى»، وقبل أيام اتهمت حركة حماس رئيس حكومة تل أبيب بنيامين نتياهو بإنتهاك صارخ لوقف اطلاق النار فى قطاع غزة المبرم فى أكتوبر 2025، بعدما أعلن نتنياهو توسيع السيطرة لتشمل 70 ٪ من قطاع غزة وفى نفس الوقت استمرار قتل وتجويع سكان القطاع، وعلى الصعيد اللبنانى قامت قوات الاحتلال الإسرائيلى بعبور نهر الليطانى وشن مئات الغارات والهجمات على عشرات القرى فى الجنوب اللبنانى والضاحية الجنوبية لبيروت مخلفة دمارا هائلا ومئات الشهداء والمصابين، وذلك تحت ذرائع «تعميق ضرب حزب الله، وإبعاد التهديدات، وتعزيز الدفاع عن مستوطنات الشمال، وهى الحجج التى أوجدتها إيران، واستغلتها إسرائيل، ويدفع ثمنها شعب لبنان الشقيق.
>>>
وحقيقة فإن التطورات الأخيرة فى المنطقة وتصاعد وتيرة الحرب الإسرائيلية فى لبنان أكدت بما لايدع مجالا للشك أن العرب أسرفوا فى إضاعة الوقت والفرص، وفى حسن النوايا تجاه القوى الأجنبية التى يتعاملون معها، مما أفقدهم القدرة على الاستفادة من موقعهم الاستراتيجى ومن ثرواتهم البشرية والطبيعية ومن وحدة اللغة والمصير الواحد، فكان طبيعيا أن يستغل الغرب الوضع القائم وأن تتفاقم «همجية» إسرائيل وخطورة «براجماتية» إيران، وبين ذلك كله تقف الشعوب العربية حائرة ما بين تخفيض فاتورة الخسائر نتيجة الحروب المتتالية وبين الحفاظ على سيادة الدول وحماية حدودها، ليبقى السؤال معلقا: إلى أين يتجه العرب فى الفترة القادمة، وهل من إجراء سريع يساعدهم فى إنقاذ أنفسهم من هذا المأزق التاريخى ومن مخططات الاستعمار الجديد قبل فوات الأوان؟.









