التطوير مطلوب.. والتدمير مرفوض
يأتيك بخبر أقل ما يوصف بأنه كارثي وكاذب ولا يمت للحقيقة بصلة.. تسأله من أين لك هذا الخبر؟!، الإجابة سريعة «من ع النت» أو يقول لك واثقاً إن الحكومة عملت كذا وكذا، وبطبيعة الحال الخبر لا يسر المواطن.. تسأله من أي مصدر حصلت علي هذا الخبر؟!، يجيب من السوشيال ميديا.
نحن أمام كارثة، خاصة إذا عرفنا من جاء إلينا لترويج الخير وإلقائه علي مسامعنا من المتعلمين والمثقفين.. والمفترض أن يكون هم من يدركون كيفية التعرف علي الخبر الصحيح أو الكاذب أو طريقة استيفاء الخبر من مصادر موثوق بها.. إذا كان هذا حال بعض المتعلمين والمثقفين، فماذا عن حال البسطاء من عموم الناس؟!.. لدي تساؤلات مهمة، هل يمكن السيطرة علي الإعلام الجديد، أم أنه ساحة مفتوحة للجميع الغث والسمين الجيد والرديء ومعركة بين الحق والباطل؟!.. فلا يمكن أن نحكم بأن الإعلام الجديد جميعه سييء أو جميعه جيد.. لكن هل يمكن الاستناد إليه كوثيقة لحفظ ذاكرة الأمم وتاريخها وتوثيق أحداثها .. لذلك بعض الأصوات أراها أخطأت في دعوتها لتشييع جنازة الصحافة الورقية بشكل خاص وعدم الاهتمام بالإعلام التقليدي.. ربما الصحافة الورقية ضحية، ليس بسبب التطور الهائل في الوسائل والوسائط الإعلامية الجديدة، ولكن بسببنا نحن كعاملين في مهنة الصحافة الورقية، أو بسبب مجتمع عازف عن القراءة والعمق وغارق في السطحية والاستهلاكية الهشة للمعلومات والأخبار والاستسهال.. لذلك أرى أن التطوير هو السبيل الأمثل لعودة الصحافة الورقية لسابق عصرها الذهبي.. ربما ليس بالقدر الذي كنا نعيشه، ولكن لأن تكون صاحبة الانتشار والتأثير، ولابد أن نبحث في أسباب التراجع النسبي للصحافة الورقية.. ربما يكون من أصحاب المهنة أنفسهم، في غياب البحث عن محتوى ومضمون مختلف يواكب التطور التكنولوجي الهائل في نقل الأخبار في أقل من ثوان معدودة.
هنا أنا دائماً لا أتوقف كثيراً عند نوع الوسيلة الإعلامية، بقدر ما أتوقف عندما تقدمه من محتوي ومضمون، وهو البطل في الحكاية.. فالمواطن يبحث عما يلبي حاجته للمعرفة من خلال مضمون يراه مناسباً.. لذلك لابد أن نقرأ جيداً مواطن القوة في الإعلام الجديد وأيضا الضعف، ونوظفها لصالح الصحافة الورقية.. والسؤال المهم: ماذا فعل المجتمع في قضية عزوف الأجيال الجديدة عن القراءة المتنوعة والمعرفة عن عمق؟!.. كم عدد من يترددون علي المكتبات؟!.. كم يقرأ المواطن من كتب سنوياً؟!.. هل بادرت الصحافة الورقية بقيادة حملات ومبادرات مجتمعية؟!.. هل بحثت عن مشاكل وهموم ومصالح المواطن في بلاد ومعاقل التكنولوجيا؟!.. دولة مثل اليابان توزع ملايين النسخ الورقية صباحاً وتعلمها مساء.. وخلال زيارتي لنيويورك خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة كنت أراقب السكان من أهل المدينة في مترو الأنفاق، أجد من يقرأ كتاباً أو صحيفة ولا يجلس دونهما، وفي أقل الدول تقدماً متوسط قراءة المواطن للكتب يبلغ 11 كتاباً سنوياً، والأعلي 22 كتاباً.. فرنسا تدعم الصحافة الورقية بما يقرب من مليار يورو سنوياً.. إذن العيب ليس في تأثير كاسح للتكنولوجيا في وسائل الاتصالات الحديثة علي الصحافة الورقية، بل في أشياء وأسباب كثيرة تتعلق بالمجتمع، وأيضا ربما في محتوي ومضمون الصحافة الورقية، الذي يستغرق في التقليدية والنمطية، فلا يوجد اشتباك حقيقي مع قضايا المجتمع أو مراقبة أعمال المسئولين بشكل قانوني وشرعي لا يتطرق إلي شخص المسئول أو محاولة التشويه، ولكن يتعلق بمهامه ومسئولياته.. وهل الصحافة الورقية تمارس عملها في رقيب وعين تري الجيد، فتشيد به وتعظمه والخطأ ؟ وتضع المسئول أمام مسئولياته؟!.. هل لدينا القدر الكافي من صحافة المواطن؟!.. هل هناك اشتباك فكري وثقافي للدفاع عن ثوابت ومبادئ وهوية المجتمع؟!.. هل غابت الرؤية والتناسق والبوصلة في التعبير عن تحديات أو تهديدات غير مسبوقة تواجه هذا الوطن وعدم القدرة علي إيصالها بالشكل المطلوب لوعي المواطن حتي يدرك أسباب معاناته؟!.. هل لدينا ما يمثل الشباب وأفكارهم وتطلعاتهم ويعبر عن إيقاع العصر السريع؟!.. هل تبنت الصحافة الورقية قضايا بعينها لتكون البطل، مثل محاربة الإسفاف والتدني والانحلال والفن الهابط؟!.. هل أدركت ما يواجه الوطن في هذه المرحلة، أم استسلمت لذرائع الأزمة والمعاناة كتقييد أي حديث عن نجاح أو إنجاز، وكأنها غير موجودة علي أرض الواقع؟!
الذين يهاجمون الصحافة الورقية ومؤسساتها، وهنا ليست دفاعاً، ولكن بحكم الانتماء في سياق موضوعي.. فالصحافة القومية لا أقول تاريخ وذاكرة ومصدر توثيق لكل ما مر بالوطن لإيصاله إلي الأجيال تلو الأجيال.. ولا أقول إنها كنوز تنويرية وثقافية وخزانة تاريخ مصر وريادتها، ولكن يكفي أن أقول إن البنية البشرية الصحفية والإعلامية في مصر من أبناء الصحافة القومية سواء من الكبار أو الأجيال الجديدة، ويؤسفني أن أقول للمتربصين والناسكين الذين يطالبون بتشييع الصحافة الورقية والقومية إن من يدير الإعلام والصحافة ومن أسسوها من أبناء الصحافة القومية ومازالوا، بل ومن هم نجوم الإعلام المرئي الآن هم من أبناء الصحافة الورقية والقومية، والأسماء موجودة وحاضرة، لا يمكن أن نسمح بدعوات هدم هذه القلاع الإعلامية والصحفية وهي تواجه تحدياً اقتصادياً غير مسبوق بسبب تقلبات الاقتصاد العالمي بفعل الصراعات والحروب وزيادة حادة في أسعار تكلفة ومستلزمات الإنتاج، رغم كونها صناعة لا تهدف إلي الربح، فهي السلعة الأكثر دعماً، النسخة بـ 5 جنيهات، في حين تكلفتها تزيد علي 27جنيهاً للنسخة الواحدة.. ولأننا نعيش في حروب الوعي وهو السلاح الإستراتيجي الذي يبني الاصطفاف الوطني، أري أن الاستثمار في دعم وتطوير ومساندة هذه المؤسسات خيار إستراتيجي لا غني عنه في أعمدة وركائز الدولة الوطنية في التعبير عن آمالها وطموحاتها والتصدي لحملات الزيف والتشكيك والأكاذيب والتشويه، الذي يعمل علي إسقاط الأوطان.. لذلك أرفض دعوات الهدم والتدمير والتشييع.. وأدعم جهود التطوير المستمرة، بل والتشجيع والمساندة.. لأننا أمام كنوز لا يجب أن نفقدها، خاصة ما لديها من مقدرات وكوادر من الصعب استعواضها أو إيجاد البدائل لمؤسسات حسمت طريقها في الانحياز للوطن والمواطن.. وأجدني أقول إن الدعوات لتشييع الصحافة الورقية وفي القلب منها القومية، هي دعوات هدم وتخريب.









