في توقيت بالغ الأهمية، وبالتزامن مع التحديات الإقليمية المتلاحقة التي ألقت بظلالها علي حدودنا، جاء قرار رئيس مجلس الوزراء، الدكتور مصطفي مدبولي، بإصدار اللائحة التنفيذية لقانون «لجوء الأجانب»، ليؤكد مجدداً أن الدولة المصرية لا تدار بالمسكنات أو العشوائية، بل برؤية استراتيجية واعية وتشريعات رصينة تواكب الواقع وتستشرف المستقبل.
هذه الخطوة الاستراتيجية لا تستهدف مجرد تقنين أوضاع، بل هي حجر الزاوية لاستكمال الإطار التشريعي والتنظيمي لمنظومة اللجوء في مصر. فمنذ أن صدق الرئيس عبدالفتاح السيسى علي هذا القانون، كان الهدف واضحا وثابتا وهو الانتقال بملف اللجوء من الفضاء غير المنظم إلي منظومة مؤسسية متكاملة تحت مظلة «اللجنة الدائمة لشئون اللاجئين»، وبما يتوافق تماماً مع المواثيق والاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها القاهرة.
تكمن الأهمية القصوي لصدور هذه اللائحة التنفيذية في كونها الجسر الأساسي الذي يمكن اللاجئ من الحصول علي كافة الخدمات الأساسية بشكل رسمي وآمن. فلا يمكن للاجئ أن يتمتع بالحقوق التي كفلها له القانون الجديد مثل الحق في التعليم الأساسي للأطفال، الرعاية الصحية المناسبة، وثائق السفر، وحق العمل وتأسيس الشركات دون وجود آلية تنظيمية واضحة تفصل الحقوق والالتزامات. هذه اللائحة هي بمثابة شهادة ميلاد رسمية لمعاملات اللاجئ اليومية، تضمن كرامته وتمنع استغلاله، وتتيح له ولأسرته العيش في أمان تحت مظلة القانون المصري.
ومع استضافة مصر لأكثر من 10ملايين وافد بين مهاجرين ولاجئين وطالبي لجوء، بتكلفة تتجاوز 10 مليارات دولار سنويا، كان من الواجب الحتمي ضبط هذا الملف. وهنا تجلت حكمة المشرع المصري في وضع أحكام انتقالية مرنة وسلسة تضمن عدم حدوث فراغ إداري، حيث استمر العمل ببطاقات المفوضية السامية للأمم المتحدة السارية، مع إعطاء مهل كافية وتسهيلات لتوفيق الأوضاع من خلال اللجنة الدائمة، مما يعكس البعد الإنساني العميق للدولة المصرية.
إن قانون لجوء الأجانب، ولائحته التنفيذية، لم يأتِ أبدا كخطوة لـ«التوطين» كما روجت بعض الأصوات القلقة، بل جاء كأداة تنظيمية وسيادية بامتياز. فهو يوازن بدقة متناهية بين الالتزام الإنساني والأخلاقي لمصر كـ «ملجأ آمن للجميع»، وبين مقتضيات الأمن القومي والنظام العام، حيث حظرت اللائحة بشكل قاطع أي أنشطة سياسية أو حزبية أو مساس بالأمن القومي المصري.
إننا أمام مشهد جديد تؤكد فيه الدولة المصرية ريادتها، مشهد يعلي من سيادة القانون، وينظم موارد الدولة، ويحفظ حقوق اللاجئين، لتبقي مصر دائماً كما كانت.. واحة للأمن والأمان، ودولة قانون تحمي الحقوق وتلتزم بالواجبات.









