خبراء عسكريون يتوقعون أن يزداد الاعتماد على الأنظمة غير المأهولة فى البحار السنوات المقبلة مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعى
فى ظل تطورات الأحداث التى تمر بها المنطقة، برزت العديد من الأجيال الجديدة للأسلحة العسكرية التى تتماشى مع ظروف الحروب المعاصرة ومع مجريات الأحداث من حيث قدرتها على التركيز مسافة أطول، وإصابة للهدف بشكل أدق، وتقليل التكاليف، وانعدام للكلفة البشرية، إضافة إلى عدم رصدها عبر أجهزة الرادار بسهولة، وقدرتها على إحداث حالة إرباك للعدو فى ساحات القتال.
فى الحروب الأخيرة، من الملاحظ أن إيران وروسيا وأوكرانيا وحماس وحزب الله اعتمدوا على الصواريخ والطائرات المسيرة لتكلفتها المحدودة بالمقارنة بتكلفة الطائرات الحربية وحاملات الطائرات. فطائرات إف-15 مثلًا تصل تكلفتها ما يقارب 100 مليون دولار، بينما تتراوح تكلفة بناء حاملة الطائرات الحديثة بين 4.5 مليار و 13.5 مليار دولار.. أما الصواريخ الحربية فتبدأ من 20 ألف دولار للطرازات البسيطة وتصل إلى 30 مليون دولار للصواريخ الاعتراضية المتطورة.
كما استخدمت القوات الروسية الطائرات المسيّرة المزودة بألياف بصرية بأعداد كبيرة لأول مرة فى ساحة المعركة فى أوكرانيا، مما زاد من مداها ووفر لها الحماية وجعل استهدافها أكثر صعوبة. قدرة روسيا على إنتاج هذه الطائرات المسيّرة بكميات هائلة ساعد إيران على استخدام «جيش البعوض» أو «أسطول البعوض» وهو تكتيك حرب عصابات بحرية لمواجهة التفوق العسكرى للولايات المتحدة فى الخليج ومضيق هرمز.
يعتمد هذا التكتيك على استخدام مئات الزوارق السريعة الصغيرة والمسلحة لإرباك حاملات الطائرات والسفن الأمريكية، فبدلاً من بناء سفن حربية ضخمة بتكلفة باهظة، تعتمد إيران على «الكم الهائل» والسرعة العالية والمناورة، محققةً مبدأ الحرب غير المتكافئة، حيث تهاجم الزوارق المسيرة فى أسراب متزامنة مع الطائرات المسيرة، مما يُصعّب على أنظمة الدفاع الأمريكية التعامل مع كل هذه الأهداف فى وقت واحد، وبالتالى تؤدى لتعطيل خطوط الملاحة، مما دفع واشنطن لتطوير خطط عملياتها ونشر زوارق قتالية متقدمة لمواجهة هذه التهديدات ولتأمين السفن التجارية .
يطلق خبراء عسكريون اسم «أسطول البعوض»، فى إشارة إلى الزوارق الصغيرة والصواريخ والمدافع والأسلحة التى تحملها، ويعوق الأسطول محاولات واشنطن لتأمين السفن التجارية. فالزوارق والطائرات المسيّرة تتميز بانخفاض مستوى ظهورها نظرًا لقربها من سطح الماء، ولا تكتشفها أنظمة الرادار الا متأخرًا جدًا. كما يستخدم سلاح البحرية الإيرانى مراكب صيد مدنية مُعاد استخدامها، فى أنشطة سرية كزرع الألغام، مما يزيد من تعقيد عمليات المراقبة.
ووفقًا لتقرير صادر عن معهد هدسون فى واشنطن، فلا تزال طهران تمتلك قدرة فعالة على تهديد الملاحة فى مضيق هرمز عبر «أسطول البعوض»، ويرى خبراء أن استراتيجية ايران تعتمد على حرب استنزاف منخفضة التكلفة، مما يجعل حماية السفن التجارية مهمة معقدة ومكلفة للولايات المتحدة. كما أن إيران لا تحتاج إلى إغلاق المضيق بالكامل، بل يكفيها خلق حالة خوف وعدم استقرار تدفع شركات الشحن والتأمين إلى تجنب المرور.
يشير الخبراء إلى أن القوارب المسيّرة، تتمتع ببصمة رادارية منخفضة بسبب اقترابها الشديد من سطح الماء، ما يجعل اكتشافها متأخرًا فى كثير من الأحيان. ولهذا تحتاج الولايات المتحدة إلى استخدام المروحيات والطائرات المسيّرة لتعقبها بفعالية. وطبقاُ لتقرير معهد «هدسون» الأمريكي، فإن هذه المنظومة لا تهدف إلى خوض معركة بحرية حاسمة، بل إلى استنزاف الخصم، فالبحرية الايرانية صممت زوارقها بحيث تكون منخفضة الكلفة، سهلة الاستبدال، وقادرة على تجاوز العقوبات، ما يسمح لها بتهديد الملاحة الدولية بتكلفة محدودة، مقابل تعريض الأصول الأمريكية والاقتصاد البحرى العالمى لمخاطر كبيرة. تأمين ممر ملاحى آمن بالكامل يبقى عملية معقدة وتستغرق وقتًا طويلًا، فضلًا عن أن طول الساحل الإيرانى يمنح طهران قدرة على مهاجمة السفن بعيدًا عن مضيق هرمز نفسه.
المشكلة الأساسية التى يفرضها «أسطول البعوض» الألغام البحرية والزوارق السريعة الهجومية، فإيران لا تحتاج إلى تحقيق عدد كبير من الإصابات، بل يكفيها توجيه ضربات محدودة لإقناع شركات التأمين ومالكى السفن بأن عبور المضيق أصبح مخاطرة على الأرواح والبضائع. ولذلك فإن مستوى التحدى المفروض على البحرية الأمريكية يبقى أعلى بكثير من ذلك الذى تواجهه إيران .
نال هذا النوع من الزوارق المسيرة اهتمامًا كبيرًا فى الولايات المتحدة، حيث كشفت وزارة الحرب الأمريكية «البنتاجون» أن الولايات المتحدة نشرت زوارق سريعة مسيّرة، للقيام بدوريات ضمن حربها التى تستهدف إيران، وهى المرة الأولى التى تؤكد فيها واشنطن استخدام مثل هذه الزوارق فى حرب قائمة. وتستخدم هذه الزوارق للمراقبة أو شن هجمات انتحارية.
برزت أهمية الزوارق المسيرة بعد أن استخدمت أوكرانيا زوارق سريعة محملة بالمتفجرات لإلحاق أضرار جسيمة بأسطول البحر الأسود الروسى.. وقال تيم هوكينز المتحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية إن زوارق مسيّرة من إنتاج شركة «بلاك سى»، تُعرف باسم «المركبة الاستطلاعية العالمية ذاتية التشغيل»، شاركت فى دوريات ضمن الحرب الأمريكية على إيران. وأضاف هوكينز: «تواصل القوات الأمريكية استخدام أنظمة مسيّرة فى منطقة الشرق الأوسط، حيث تسعى الولايات المتحدة منذ سنوات إلى بناء أسطول من سفن وزوارق مسيّرة غير مأهولة تعمل فوق سطح المياه وتحتها كبديل أقل كلفة وأسرع انتشاراً من السفن والغواصات المأهولة، خصوصاً فى مواجهة النفوذ البحرى الصينى المتصاعد فى المحيط الهادئ.
ويتوقع خبراء عسكريون أن يزداد الاعتماد على الأنظمة غير المأهولة فى البحار خلال السنوات المقبلة، خاصة مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعى والاتصالات، حيث باتت بعض الجيوش تستخدم أسرابًا من الطائرات والزوارق المسيرة لتنفيذ هجمات متزامنة أو لإرباك دفاعات الخصم، ويمكن أيضًا تشغيلها لفترات طويلة، كما تتميز هذه الأنظمة بكلفتها المنخفضة نسبيًا مقارنة بالسفن الحربية التقليدية، ما يسمح بنشر أعداد أكبر منها فى مناطق واسعة، بالإضافة الى قدرتها على تقليل المخاطر البشرية.
كما يتم استخدام المسيرات فى مجموعة واسعة من المهام، مثل جمع المعلومات الاستخباراتية، ومراقبة السواحل، واكتشاف الألغام البحرية، إضافة إلى تنفيذ هجمات دقيقة ضد أهداف بحرية أو بنى تحتية قريبة من السواحل.









