فى واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا واضطرابًا فى تاريخ إسرائيل الحديث، تبدو الدولة العبرية على أعتاب تحولات سياسية قد تعيد تشكيل توازناتها الحزبية ومراكز النفوذ داخلها، بعدما اقترب الكنيست من حل نفسه تمهيدًا للتوجه نحو انتخابات مبكرة تأتى فى ظل أزمات متشابكة تضرب الداخل الإسرائيلى سياسيًا وأمنيًا وقضائيًا. فالحرب المتواصلة فى قطاع غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، إضافة إلى حالة الاستقطاب الداخلى الحادة، ومحاكمة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو فى قضايا فساد، جميعها عوامل دفعت إسرائيل إلى مشهد استثنائى لم تشهده منذ سنوات طويلة.
يخوض نتنياهو، الذى يُعد صاحب أطول فترة حكم فى تاريخ رئاسة الوزراء الإسرائيلية، واحدة من أصعب محطاته السياسية، بعدما تراجعت شعبيته بصورة ملحوظة منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023،الذى شكّل صدمة أمنية ونفسية كبيرة للإسرائيليين، وكشف عن ثغرات خطيرة داخل المؤسسة العسكرية والاستخباراتية. كما أدت الحرب الممتدة على غزة إلى زيادة الضغوط الواقعة على الحكومة، سواء بفعل الخسائر الاقتصادية، أو تصاعد أزمة الأسري، أو اتساع رقعة الانتقادات المتعلقة بإدارة العمليات العسكرية والأمنية.
وفى موازاة ذلك، لم تعد محاكمة نتنياهو مجرد مسألة قضائية مرتبطة باتهامات فساد، بل تحولت إلى محور رئيسى فى الصراع السياسى الداخلي، بعدما نجح رئيس الوزراء فى تقديم نفسه أمام أنصاره باعتباره مستهدفًا من قبل مؤسسات القضاء والإعلام والنخب التقليدية، فى حين ترى قوى المعارضة أن تمسكه بالسلطة يرتبط بمحاولة حماية مستقبله السياسى والقانوني.. ومع تزايد الحديث عن انتخابات مبكرة، بات المشهد الإسرائيلى يبدو وكأنه ساحة صراع مفتوحة تتداخل فيها الحملات الانتخابية مع جلسات المحاكم وتطورات الحرب.
فى الوقت الذى تحاول فيه المعارضة استثمار حالة الغضب الشعبى لإسقاط حكومة اليمين، يسعى نتنياهو إلى البقاء فى منصبه مستفيدًا من تعقيدات المشهد الأمنى والانقسامات السياسية.. ومع استمرار هذه التطورات، تتزايد التساؤلات داخل إسرائيل وخارجها بشأن مستقبل نتنياهو، واحتمالات انهيار حكومته، وما إذا كانت الانتخابات المقبلة ستضع نهاية لحقبة سياسية هيمنت على إسرائيل لعقود، أم أن الرجل سيتمكن مرة أخرى من تجاوز أزماته والعودة للبقاء فى السلطة.
تعيش إسرائيل بالفعل واحدة من أكثر الفترات السياسية توترًا خلال السنوات الأخيرة، بعدما فتح التصويت المبدئى داخل الكنيست على حل البرلمان الباب أمام احتمالات التوجه إلى انتخابات مبكرة، فى وقت تواجه فيه حكومة بنيامين نتنياهو سلسلة من الأزمات المتداخلة.
ولم يكن تصويت الكنيست مجرد إجراء دستورى تقليدي، بل عكس حجم التصدع داخل الائتلاف الحاكم، بعدما بدأت بعض الأحزاب الدينية المتشددة، التى طالما اعتُبرت من أبرز حلفاء نتنياهو، التهديد بسحب دعمها للحكومة بسبب الخلافات حول قانون إعفاء طلاب المدارس الدينية من الخدمة العسكرية. ويُعد هذا الملف من أكثر القضايا حساسية داخل المجتمع الإسرائيلي، إذ يرى التيار العلمانى أن هذه الإعفاءات تمثل عبئًا غير عادل على بقية الإسرائيليين، بينما تعتبر الأحزاب الدينية أن الدراسة التوراتية تمثل جزءًا جوهريًا من الهوية اليهودية للدولة.
وجاءت خطوة التصويت على حل الكنيست بينما تخوض إسرائيل حربًا مفتوحة فى غزة منذ أشهر، مع استمرار التوتر مع حزب الله فى لبنان، والتصعيد المتبادل مع إيران، فضلًا عن الضغوط الاقتصادية المتزايدة التى بدأت تؤثر بصورة واضحة على الداخل الإسرائيلي. كما يواجه نتنياهو انتقادات متصاعدة بسبب طريقة تعامله مع الحرب، خصوصًا فى ظل استمرار أزمة الأسرى الإسرائيليين لدى الفصائل الفلسطينية، وتزايد الاتهامات للحكومة بعدم تحقيق أهدافها العسكرية والسياسية حتى الآن.
وبحسب النظام السياسى الإسرائيلى، فإن حل الكنيست يحتاج إلى المرور بعدة مراحل تصويت قبل اعتماده بصورة نهائية، إلا أن وصول مشروع القانون إلى هذه المرحلة يكشف هشاشة الائتلاف الحاكم واحتمالات انهياره فى أى لحظة.. وإذا تم إقرار القانون نهائيًا، فإن إسرائيل قد تتجه إلى انتخابات مبكرة خلال شهرى سبتمبر أو أكتوبر المقبلين، أى قبل الموعد الرسمى المحدد سابقًا.
وتشير استطلاعات الرأى التى نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية خلال الأشهر الماضية إلى تراجع واضح فى شعبية حزب الليكود بزعامة نتنياهو، مقابل صعود شخصيات وقوى سياسية معارضة تسعى إلى استثمار حالة السخط الشعبى المتزايدة. ويرى محللون أن الحرب التى اعتقد نتنياهو فى بدايتها أنها قد تمنحه فرصة لتعزيز موقعه السياسى، تحولت تدريجيًا إلى عبء ثقيل يهدد مستقبله، خاصة مع استمرار التدهور الأمنى والاقتصادى واتساع الانقسامات الداخلية.
محاكمة نتنياهو
يواجه نتنياهو، الذى نجح طوال عقود فى تجاوز أزمات سياسية وأمنية متكررة، مرحلة شديدة التعقيد فى مسيرته الطويلة، ففضلاً عن ضغوط الحرب بات نتنياهو محاصرًا من أكثر من اتجاه، فمن ناحية يواجه احتمال خسارة الانتخابات المقبلة، ومن ناحية أخرى يواصل المثول أمام القضاء فى قضايا فساد أثارت جدلًا واسعًا داخل إسرائيل.
حيث يواجه رئيس الوزراء اتهامات تتعلق بالرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة فى عدة ملفات، أبرزها القضية المعروفة إعلاميًا باسم «القضية 4000»، والتى ترتبط بمنح تسهيلات لشركة اتصالات مقابل الحصول على تغطية إعلامية داعمة.
إلا أن نتنياهو لم يتعامل مع القضية بوصفها معركة قانونية فقط، بل جعل منها جزءًا أساسيًا من خطابه السياسي، مستفيدًا من الانقسام القائم داخل المجتمع الإسرائيلى بين اليمين واليسار.. وقد ساعده هذا الخطاب فى الحفاظ على جزء مهم من قاعدته الشعبية، خصوصًا بين المحافظين والمتدينين الذين يعتبرون أن المؤسسة القضائية منحازة ضد التيار اليميني.
وفى المقابل، ترى المعارضة أن استمرار نتنياهو فى الحكم يمنحه قدرة على المناورة السياسية وتأجيل الضغوط القضائية، وهو ما جعل قضايا الفساد حاضرة بقوة فى كل استحقاق انتخابى خاضه خلال السنوات الأخيرة. كما تحولت جلسات المحكمة إلى حدث إعلامى وسياسى دائم، يعكس حجم التداخل بين السياسة والقضاء فى إسرائيل.
الحروب .. طوق نجاة
لا تزال تداعيات هجوم السابع من أكتوبر تلقى بظلالها الثقيلة على الداخل الإسرائيلي. فقد مثّل الهجوم الذى نفذته حركة حماس صدمة كبيرة للمجتمع الإسرائيلي، بعدما كشف عن إخفاقات أمنية واستخباراتية غير مسبوقة. ومنذ ذلك الوقت، تراجعت ثقة الشارع بالحكومة والمؤسسة الأمنية بصورة واضحة، وبدأت تتصاعد المطالب بمحاسبة المسئولين عن الإخفاقات التى سبقت الهجوم.
كما ساهمت الحرب الطويلة على غزة فى تعميق الأزمة الداخلية، خصوصًا مع ارتفاع الخسائر الاقتصادية واتساع التوتر الأمني. وتحولت قضية الأسرى الإسرائيليين فى غزة إلى واحدة من أبرز نقاط الضغط على حكومة نتنياهو، حيث تتهم عائلات الأسرى الحكومة بعدم إعطاء الأولوية الكافية للتوصل إلى اتفاق يعيد أبناءهم.
وشهدت المدن الإسرائيلية خلال الأشهر الأخيرة موجات احتجاج متكررة شاركت فيها عائلات الأسرى وجماعات معارضة تتهم الحكومة بالفشل فى إدارة الحرب وتقديم بقاء نتنياهو السياسى على المصالح الوطنية. وفى المقابل، لا يزال جزء من اليمين الإسرائيلى يدافع عن استمرار الحكومة، معتبرًا أن إسقاطها خلال الحرب قد يؤدى إلى مزيد من الفوضى والاضطراب.
ويعكس هذا المشهد حجم الانقسام الذى يعيشه المجتمع الإسرائيلي، بعدما باتت البلاد منقسمة بين معسكر يحمل نتنياهو مسؤولية الإخفاقات الأمنية والسياسية، وآخر يرى أنه يتعرض لحملة منظمة تهدف إلى إسقاطه بأى وسيلة ممكنة.
خصوم نتنياهو
فى ظل هذه الأزمات، بدأت أسماء سياسية جديدة تظهر باعتبارها منافسين محتملين لنتنياهو فى أى انتخابات قادمة. ويبرز فى مقدمة هؤلاء نفتالى بينيت، رئيس الوزراء السابق، الذى عاد بقوة إلى المشهد السياسى مستفيدًا من تراجع شعبية الليكود، ويحاول تقديم نفسه باعتباره زعيمًا يمينيًا قادرًا على استعادة الاستقرار دون الدخول فى الصدامات الحادة التى طبعت سنوات حكم نتنياهو الأخيرة.
كما يظهر يائير لابيد، زعيم المعارضة، باعتباره أحد أبرز المنافسين، حيث يسعى إلى توحيد القوى المناهضة لنتنياهو داخل جبهة سياسية واحدة قادرة على إنهاء هيمنة الليكود. وإلى جانب ذلك، يبرز اسم جادى أيزينكوت، رئيس الأركان السابق، الذى يحظى بثقة متزايدة لدى قطاعات من الإسرائيليين الباحثين عن قيادة أمنية جديدة بعد إخفاقات الحرب.
ورغم ذلك، فإن إسقاط نتنياهو عبر الانتخابات لا يبدو أمرًا سهلًا، إذ تعانى المعارضة نفسها من انقسامات داخلية وصعوبة فى بناء تحالف مستقر. وقد شهدت إسرائيل خلال السنوات الماضية عدة انتخابات انتهت بنتائج غير حاسمة، ما دفع البلاد إلى حالة من الجمود السياسى استمرت لفترات طويلة.
قد يتكرر هذا السيناريو مجددًا إذا فشلت المعارضة فى تشكيل ائتلاف حكومى متماسك حتى فى حال تفوقها على الليكود، وهو ما قد يسمح لنتنياهو بالبقاء على رأس حكومة انتقالية لفترة طويلة، مستفيدًا من تعقيدات النظام السياسى الإسرائيلى وتشتت الأحزاب.
أزمة الاصلاح القضائى
فى موازاة المعركة الانتخابية، لا تزال أزمة «الإصلاح القضائي» تلقى بظلالها على الداخل الإسرائيلي. فقد أثارت التعديلات القضائية التى طرحتها حكومة نتنياهو قبل الحرب احتجاجات واسعة شارك فيها مئات الآلاف، بعدما اعتبرتها المعارضة محاولة لإضعاف المحكمة العليا وتقليص استقلال القضاء.
واتهم خصوم نتنياهو حكومته بالسعى إلى السيطرة على الجهاز القضائى لحماية رئيس الوزراء من تداعيات محاكمته، بينما دافع اليمين عن تلك الإصلاحات باعتبارها ضرورية لإعادة التوازن بين السلطات وتقليص نفوذ القضاء.
وأدى هذا الصراع إلى تعميق الانقسامات داخل إسرائيل، حتى إن بعض المسؤولين العسكريين والأمنيين السابقين حذروا من تأثير الأزمة السياسية على تماسك الجيش والمؤسسات الأمنية. ورغم أن الحرب ساهمت لاحقًا فى تجميد جزء من هذا الجدل، فإن الأزمة لم تختفِ بالكامل، بل بقيت حاضرة فى خلفية المشهد السياسي.
الإعلام الإسرائيلى
يلعب الإعلام الإسرائيلى دورًا رئيسيًا فى تعميق حالة الاستقطاب، بعدما تحولت القنوات والصحف إلى ساحات مواجهة بين مؤيدى نتنياهو ومعارضيه. ففى حين تتبنى وسائل إعلام يمينية خطابًا يعتبر أن رئيس الوزراء يتعرض لاستهداف سياسى وقضائي، تركز وسائل أخرى على ملفات الفساد والإخفاقات الأمنية ومسؤولية الحكومة عن الأزمات الحالية.
وترتبط بعض قضايا الفساد التى يواجهها نتنياهو أصلًا بعلاقاته بوسائل الإعلام، ما جعل الإعلام نفسه طرفًا مباشرًا فى الأزمة السياسية والقضائية. كما تحولت التسريبات المتعلقة بالمحاكمة إلى مادة يومية تغذى الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي.
العلاقات الإسرائيلية الخارجية
دوليًا، تتابع الولايات المتحدة والدول الأوروبية تطورات الأزمة الإسرائيلية بقلق متزايد، خصوصًا فى ظل استمرار الحرب والتوترات الإقليمية. ورغم الدعم الغربى الواسع لإسرائيل، فإن بعض العواصم الغربية أبدت مخاوف من تصاعد الانقسامات الداخلية ومحاولات إضعاف القضاء، معتبرة أن ذلك قد يؤثر على صورة إسرائيل كدولة ديمقراطية.
كما تخشى بعض الدول الحليفة من أن تؤدى الأزمة السياسية إلى إضعاف قدرة الحكومة الإسرائيلية على اتخاذ قرارات استراتيجية مستقرة، سواء فيما يتعلق بالحرب أو بالعلاقات الإقليمية والدولية. وفى المقابل، يحاول نتنياهو استثمار خبرته الطويلة وعلاقاته الدولية لتعزيز صورته باعتباره الرجل القادر على إدارة الأزمات فى مرحلة إقليمية شديدة التعقيد.
لكن الضغوط التى تواجهه لا تتوقف عند السياسة والحرب فقط، إذ يثار أيضًا جدل متزايد حول وضعه الصحي، بعدما أعلن مؤخرًا تعافيه من سرطان البروستاتا، إضافة إلى خضوعه سابقًا لعملية زرع جهاز لتنظيم ضربات القلب. ورغم محاولاته الظهور بصورة القائد القادر على الاستمرار، يرى خصومه أن تقدمه فى السن وتراكم الأزمات السياسية والقضائية قد يجعلان المرحلة الحالية بداية النهاية لمسيرته السياسية الطويلة.
وفى ظل كل هذه التطورات، تبدو إسرائيل مقبلة على مرحلة سياسية شديدة الحساسية، تتداخل فيها الحرب مع الانتخابات والمحاكمة والأزمات الاقتصادية والاجتماعية فى مشهد معقد وغير مسبوق. فالمعركة القادمة لن تحدد فقط هوية الحكومة المقبلة، بل قد تعيد أيضًا رسم مستقبل النظام السياسى الإسرائيلي، وحدود العلاقة بين القضاء والسلطة التنفيذية، وطبيعة التوازنات داخل المجتمع الإسرائيلى بعد سنوات طويلة من الانقسام.
ويبقى السؤال الأبرز المطروح داخل إسرائيل وخارجها: هل ينجح بنيامين نتنياهو مرة جديدة فى تجاوز العاصفة السياسية والبقاء فى الحكم كما فعل مرارًا طوال العقود الماضية، أم أن الانتخابات المقبلة ستشكل بداية نهاية أطول حقبة سياسية عرفتها إسرائيل منذ تأسيسها؟









