فى زحام الحياة أصبح الإنسان يركض بلا توقف.. خلف العمل والاستقرار والمكانة والمال ظنًا منه أن السعادة تنتظر دائمًا المحطة التالية وأن الطمأنينة مؤجلة إلى حين اكتمال الصورة التى رسمها لنفسه.
لكن ان لم تستطع فهم حقيقة الحياة.. فغالبا ستكتشف ان الأشياء التى نظن أنها ستمنحنا السلام الكامل كثيرًا ما تمنحنا مزيدًا من القلق والخوف واللهاث.
لا شك أن المال ضرورة من ضرورات الحياة وأنه وسيلة مهمة لحفظ الكرامة وتخفيف أعباء الأيام.. فالفقر القاسى ليس بطولة والعجز عن توفير الاحتياجات الأساسية يستنزف الإنسان نفسيًا وروحيًا قبل أن يستنزفه ماديًا.
لكن هل تكفى الوفرة المادية وحدها لصناعة إنسان سعيد؟.. الواقع يجيب بوضوح «لا».. فكم من أشخاص امتلكوا كل أسباب الرفاهية لكنهم فقدوا القدرة على الشعور بالراحة.. وكم من بيوت فاخرة يسكنها القلق.
وفى المقابل قد تجد إنسانًا بسيطًا محدود الإمكانات لكنه يملك قدرًا كبيرا من الرضا والسلام النفسى.
أن السعادة لا تُقاس فقط بما يملكه الإنسان بل بما يشعر به من داخله.. و أصبحت المقارنات والنظر لما يمتلكه الغير أحد أكبر مصادر التعاسة وعدم الرضا.. فالإنسان لم يعد ينظر إلى نعمته بعين الرضا بل بعين النقص، لأن هناك دائمًا من يملك أكثر أو يظهر فى حياة تبدو أكثر رفاهية ولمعانًا.. ومع الوقت يفقد الإنسان قدرته على الاستمتاع بالأشياء البسيطة التى كانت تمنح الحياة معناها الحقيقى.. جلسة هادئة مع العائلة.. دعوة صادقة من أم.. صديق مخلص، صحة جيدة أو حتى ليلة ينام فيها المرء دون قلق يوقظه فى منتصف الليل.
ومن أروع ما قاله الإمام الشافعى فى الحكمة «إذا ما كنتَ ذا قلبٍ قنوعٍ.. فأنتَ ومالكُ الدنيا سواءُ».. فالقناعة هنا ليست رفضًا للحياة أو الطموح، بل حالة من التوازن النفسى تجعل الإنسان قادرًا على الاستمتاع بما يملك دون أن يتحول إلى أسير دائم لما ينقصه.
كما أن مفهوم الزهد فى تراثنا الدينى لم يكن يومًا دعوة للفقر أو الانعزال عن الدنيا، بل كان دعوة لتحرير القلب من التعلق المفرط بالأشياء.. أن يملك الإنسان المال دون أن يتحول إلى أن يملك المال الإنسان وأن يسعى ويجتهد دون أن يفقد سكينته فى الطريق.. فغنى النفس و الاكتفاء الداخلى السبيل لحياة أكثر هدوءًا واتزانًا.
ولعل أكثر ما يحتاجه الإنسان اليوم ليس المزيد من السكينة والطمأنينة والإيمان وأن يتحرر من قيود القلق والمنافسة فى غير محلها.. وأن يتصالح مع حقيقة أن الحياة لن تكتمل لأحد.. وأن الكمال الذى نأمله يصبح وهماً لا نهاية له.









