قبل أيام كنت أجلس مع أحد زملاء الدراسة فى منزله بالمنطقة الراقية دعانا الرجل على الغداء بعد يوم عمل طويل، كنا نتبادل الحديث فى السياسة والغلاء وكرة القدم كعادة المصريين عندما يريدون إصلاح العالم فى ساعة واحدة وفجأة، دخل ابنه الكبير – الذى لم يتجاوز العاشرة من عمره – ونظر إلى والده وسأله بهدوء شديد: «بابا.. هو فيه جلسة الأسبوع ده؟».
ساد الصمت للحظات. نظر الأب إلى ابنه بوجوم ثم قال: «أيوه يا حبيبى.. ليه بتسأل؟» فجاء الرد الذى أفسد علينا جميعاً طعم الغداء : «علشان أعرف هقعد معاك ولا هروح عند ماما».
خرج الطفل ليكمل لعبه وكأنه سأل عن موعد مباراة أو رحلة مدرسية، لكنه تركنا نحن الكبار ننظر إلى بعضنا البعض فى صمت تام. فى تلك اللحظة تحديدا، فهمت أزمة قانون الأسرة كلها؛ فبينما ينشغل الجميع بالحديث عن حقوق الرجل وحقوق المرأة، هناك طفل صغير يربط تفاصيل أسبوعه المقبل بقرار يصدر من منصة القضاء.
زميل الدراسة عنده ثلاثة ابناء الولد معه والبنات الصغار مع أمهم لا يرى البنات منذ فترة ليست قصيرة وفى المقابل الام لا ترى الولد. أنهيت الطعام مسرعا ثم أذنت لنفسى بالانصراف.
أغلقت باب شقته وسط محاولات منه بالبقاء بعدما أيقنت انه لابد من حل جذرى لمشكلة الأبناء بعد انفصال الآباء.
نعم بدأت الدولة إعادة النظر فى بعض ملفات قانون الأسرة بحثاً عن صيغة أكثر توازناً وعدالة. لكننى كلما تابعت هذا النقاش الطويل، وتلك «المباراة غير الممتعة»، شعرت أن الجميع يتحدثون عن أطراف الخصومة، بينما يغيب صاحب القضية الحقيقى تماما.. «الطفل».
ذلك الإنسان الصغير الذى تدور باسمه المعارك، وتصدر من أجله التصريحات، وتُعقد بسببه جلسات الحوار، ومع ذلك.. لا يجد من يمثله تمثيلاً حقيقياً. وهو الطرف الوحيد الغائب عن الطاولة! فهو ليس عضواً فى لجنة، ولا طرفاً فى حوار مجتمعى، ولا ضيفاً فى استوديو تليفزيونى، ولا يملك حتى حق الاعتراض على ما يُقال باسمه، وكأن الجميع يترافعون فى قضية يقف صاحبها الحقيقى وحيدا خارج قاعة المحكمة.
والأغرب، أن أغلب المعارك تبدأ تحت عنوان حمايته، لتنتهى وهو أكبر الخاسرين؛ إذ يتشاجر الأب والأم على الحضانة، ويتجادلان حول الرؤية والاستضافة، وتتحول الجلسات والطعون والأوراق إلى جزء من المشهد اليومى، بينما يقف الصغير فى المنتصف لا يعرف لماذا يحدث كل ذلك! هو لا يعرف معنى الحضانة، ولا يفهم أبعاد الاستضافة، ولا يدرك مصطلحات النفقة أو التمكين أو الاستئناف، لكنه يعرف شيئاً واحداً فقط: أن حياته معلقة بخلاف لا يملك فيه رأيا.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية؛ فالنقاش الدائر حاليا يتمحور حول ما يريده الرجل، وما تريده المرأة، وما يراه القانون والمؤسسات، لكن السؤال الأهم لا يزال غائبا: ماذا يحتاج الطفل؟ ليس ماذا يريد الأب، ولا ماذا تريد الأم، بل ماذا يحتاج هذا الصغير الذى بات ينتظر موعد الجلسة أكثر مما ينتظر موعد الإجازة؟
إن أى قانون أسرة ناجح يجب أن ينظر أولا إلى الطفل باعتباره إنسانا له احتياجات نفسية وعاطفية، قبل أن يكون محل نزاع قانونى. فالقضية فى جوهرها ليست معركة تكسير عظام بين رجل وامرأة، بل هى مسئولية مشتركة تجاه جيل كامل قد يدفع ثمن خلافات لم يكن طرفا فيها يوما.
إن نجاح أى تعديل تشريعى حقيقى لن يُقاس بما سيحصل عليه الأب أو الأم من مكاسب، وإنما بقدر ما يوفره للطفل من أمان واستقرار وفرصة لحياة طبيعية بعيدة عن صراعات الكبار.









