بداية لم تعد قوة السوق العقارية فى العصر الحديث تقاس بعدد الأبراج والمشروعات العملاقة فقط ولكن بقدرتها على حماية المستثمر والمشترى وضمان استدامة التمويل ومنع الانهيارات المفاجئة.
وعن تجربتى الشخصية فقد تحول حلم امتلاك وحدة سكنية عموما ولدى كثير من المواطنين إلى معركة طويلة مع بعض شركات التطوير العقارى خصوصا فى مشروعات البيع على الخريطة، فبينما تسوق الشركات لمشروعاتها باعتبارها مدنا متكاملة وحياة عصرية، يصطدم المشترون على أرض الواقع بتأخرات متكررة فى التسليم وارتفاعات مفاجئة فى الأسعار وتغييرات فى المواصفات المتفق عليها فضلا عن غياب الشفافية فى بعض العقود التى تمنح المطور أفضلية شبه مطلقة على حساب العميل.
ومع ضعف وافتقار آليات الرقابة فى بعض الحالات يجد المواطن نفسه ملتزما بسداد أقساط ضخمة لسنوات بينما المشروع قد يتعثر أو يتباطأ دون وجود ضمانات كافية لاسترداد الحقوق ، كما أدى التوسع الكبير فى التسويق العقارى إلى دخول شركات تفتقر للملاءة المالية والخبرة الفنية ما خلق حالة من القلق داخل السوق ، خاصة مع اعتماد بعض المطورين على أموال العملاء لتمويل مشروعات جديدة بدل استكمال القائم منها.
وفى ظل كل ذلك باتت الحاجة ملحة لتشريعات أكثر صرامة تلزم الشركات بحسابات ضمان حقيقية وتفرض شفافية كاملة فى نسب التنفيذ وتحمى المواطن من تحول حلم السكن والاستثمار إلى عبء مالى ونفسى مفتوح.
ويبــرز نظام حساب الضمان العقارى (Escrow Account) باعتباره إحدى أهم الأدوات التنظيمية التى أعادت صياغة العلاقة بين المطور العقارى والمشترى والدولة، خصوصا فى مشروعات البيع على الخريطة أو ما يعرف بـ Off-Plan Sale، هذا النظام الذى أصبح عنصرا أساسيا فى العديد من الأسواق العقارية المتقدمة، يقوم على فكرة شديدة البساطة لكنها بالغة التأثير وهى عبارة عن أموال المشترين لا تذهب مباشرة إلى المطور العقارى ، وإنما تودع داخل حساب مصرفى مستقل يخضع لرقابة قانونية ومالية ، ولا يتم الصرف منه إلا وفق نسب الإنجاز الفعلية للمشروع.
وبهذه الآلية يتحول التمويل العقارى من نموذج قائم على الثقة المطلقة فى المطور إلى منظومة مؤسسية تحكمها الرقابة والشفافية .
لذلك جاء نظام حساب الضمان ليعالج أصل المشكلة عبر الفصل الكامل بين أموال المشروع والذمة المالية للمطور وعندما نتعمق فى التطبيق العملى بحيث يقوم المطور بفتح حساب ضمان مخصص للمشروع لدى بنك معتمد وتودع فيه جميع الأقساط والمدفوعات الخاصة بالمشترين.
بعد ذلك لا يحق للمطور سحب الأموال بحرية كالعادة ولكن يتم الإفراج عن دفعات محددة بناءً على تقارير هندسية وفنية تثبت نسب التنفيذ الحقيقية على أرض الواقع .
وهذا التحول سيعيد تشكيل فلسفة الاستثمار العقارى بالكامل بعيدا عن كونه مجرد إجراء مالى، فوجود حساب ضمان فعال يعنى أن السوق أصبح أكثر قدرة على جذب المستثمرين المحليين والأجانب ولأن عنصر الأمان المالى بات جزءا من بنية المشروع نفسه وليس مجرد وعود تسويقية.









