أخشى أن يقع بعض رجال الكنيسة فى ورطة «قانون سكسونيا»، بعد إقرار مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين المعروض على البرلمان حاليًا، حيث خرج البعض ليتحدث عن أن أحكام هذا القانون سيقتصر تطبيقها على المسيحيين المقيمين داخل مصر فقط، بينما يبقى المجال أكثر إتساعًا أمام أقباط المهجر الذين يمكنهم الاختيار بين الاحتكام لقواعده، أو العمل وفق القوانين المدنية المعمول بها فى مجتمعاتهم.
- قد يسألنى البعض: وما علاقة ما تقوله هذا بقانون «سكسونيا»؟
وأجيب بأن “قانون سكسونيا” هذا يعد من أغرب القوانين التى عرفتها البشرية، وظل – تاريخيًا – يُضرب به المثل فى التمييز الطبقى والتطبيق الانتقائى للقانون، ووضع فى القرن الـ 15، بولاية “سكسونيا” الألمانية، ومن أبرز أحكامه أنه إذا ارتكب أحد “العامة” جريمة قتل تُقطع رأسه، وإذا سرق تُقطع يده، وإذا حُبس يُسجن فعليًا. بينما يختلف الحال مع “النبلاء” الذين لا تمسهم العقوبة فعليًا، فإذا حُكم على أحدهم بالاعدام يُقطع ظل رأسه، وإذا سرق يُقطع ظل يده، وإذا حُكم عليه بالسجن، يدخل ويخرج من الباب الخلفى دون أن يبقى فيه.
أعلم تمامًا ما يمثله أقباط المهجر من أهمية اقتصادية للكنيسة، فى ضوء ما يتمتعون به من قوة مالية ليست مُتاحة لأقباط الداخل. وأدرك أيضًا حرص الكنيسة على التمسك بهم وبأولادهم من أبناء الجيلين الثانى والثالث، ولكن يجب أن يكون واضحًا، وقبل إقرار هذا القانون عدة أمور:
- أولًا: أن القيمة الحقيقية لهذا القانون يفترض أنها مستمدة من أنه يعبر عن تعاليم السيد المسيح التى يجب أن يلتزم بها أى مسيحى سواء داخل مصر أو خارجها.
- ثانيًا: نحن لسنا أمام تشريع صادر من برلمان دولة بمفهومه الضيق، بل أمام تنظيم لمسائل الزواج والطلاق وفق أحكام الشريعة المسيحية التى يجب أن تحترمها الكنيسة وتحرص عليها فى كل مكان.
- ثالثًا: وبالتالى فإنه لا يصح الحديث عن القانون بمنطق أنه سيطبق إجباريا على أقباط مصر بحكم معيشتهم فى الداخل، بينما يبقى أقباط الخارج فى حالة “براح” يطبقونه متى أرادوا ويتجاهلونه متى رغبوا، فالأصل أن الشريعة المسيحية وأحكامها واحدة، وتعليمات المسيح لا يتفاوت احترامها من مكان لآخر.
- رابعًا: يجب أن يكون معلومًا أننا لسنا أمام قانون موحد للأحوال الشخصية، هذا “وهم” كبير، فكل طائفة تتمسك بأحكامها، وكل ما فى الأمر أنه تم تجميع هذه الأحكام داخل قانون واحد، مع تخصيص باب لكل طائفة يُطبق على أتباعها.
- خامسًا: أن هذا القانون وإن كان يستهدف فض الاشتباك بين المحاكم والكنيسة فيما يتعلق باحكام الزواج والطلاق، فإن قيمته الأكبر التى يجب أن يتم اقناع كل مسيحى بها تكمن فى أنه يتسق وأحكام الشريعة التى يؤمن بها، وهو ما يجب أن تحرص عليه الكنيسة دون تفرقة بين أقباط الداخل والخارج.
- سادسًا: وبالتالى فلا معنى لأن ينزلق الحديث عن القانون إلى هذه الازدواجية، فيتبنى خطابًا عنيفًا مع أقباط الداخل، بينما يتحدث بطريقة أكثر إنسانية ولطفًا لأقباط الخارج، وكأنه يقول لهم: أنتم أحرار، اعملوا بهذه الأحكام أو تجاهلوها كيفما يروق لكم، تزوجوا مدنيًا وطلقوا مدنيًا، ولن يحرمكم أحد من الكنيسة والتقرب من أسرارها المقدسة.
- سابعًا: وأخطر ما فى الأمر أن القانون المقترح لم يمس من قريب أو من بعيد الشواغل التى تؤرق الأقباط فعليًا، مثل تغيير الدين، وما يترتب عليه من حقوق والتزامات، ومصير الأبناء والأسرة التى تم تكوينها وفق قواعد معينة، ثم انقلب أحد الطرفين عليها، وكثيرًا ما يُساء استخدام ذلك للمكايدة، ويكون الأبناء هم الضحية.
أعتقد أن مشروع القانون المعروض على البرلمان فى حاجة إلى كثير من البحث والتدقيق والدراسة المتأنية، حتى لا نكون أمام نسخة قبطية من «قانون سكسونيا».









