الرئيس الأمريكى دونالد ترمب كلما ظهر فى الإعلام أو كتب على منصته تروث سوشيال يعدد مساوئ الاتفاق النووى الذى وقعه الرئيس الأسبق باراك أوباما مع إيران فى 2015 ويصفه بالكارثى.. وفى تغريدة فى نفس السياق كتب ترامب عبر حسابه على منصة تروث سوشيال مؤخرا: « أضحك على كل الديمقراطيين الحمقى، والجمهوريين بالاسم فقط، والحمقى الذين لا يعرفون شيئا عن الاتفاق المحتمل الذى أبرمه مع إيران، أمور لم يتم حتى التفاوض بشأنها بعد».. وتابع بشأن الاتفاق: «سيكون على النقيض تماما لكارثة الاتفاق النووى الذى تفاوضت عليه إدارة أوباما الفاشلة، والذى كان طريقا مباشرا ومفتوحا نحو سلاح نووى لإيران، أنا لا أبرم اتفاقات كهذه».. وقال ترامب إن اتفاقه يتضمن مرحلتين: الأولى فتح مضيق هرمز ومنح الاقتصاد العالمى متنفسا، وكذلك موافقة إيران على التخلى عن اليورانيوم المخصب.. أما الخطوة الثانية فهى تسليم المواد النووية، وعندها يمكن منح إيران تخفيفا للعقوبات.
السؤال ماذا لو خرج ترامب فى النهاية باتفاق مشابه لاتفاق أوباما 2015 الذى اقتصرَ فقط على الملفِ النَّووى ورُفعت مقابلَه العقوبات؟
لو قيمنا اتفاق 2015 الذى وقعته الدول الخمس دائمة العضوية فى مجلس الأمن الدولى – الولايات المتحدة، والصين، وروسيا، وفرنسا، والمملكة المتحدة – بالإضافة إلى ألمانيا والاتحاد الأوروبى، على هذا الاتفاق متعدد الأوجه سنجده يقضى بأن تحدّ إيران من طموحاتها النووية، وتضع حداً لتخصيب اليورانيوم، وتسمح لمفتشى الوكالة الدولية للطاقة الذرية بتفتيش مواقعها، مقابل رفع بعض العقوبات المفروضة على ثروتها النفطية والإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة.. وقد بلغ قلق نتنياهو من الاتفاق حداً دفعه، فى خطوة غير مسبوقة، إلى مخاطبة الكونجرس عام 2015 فى محاولة لإفشال اتفاق أوباما على الأراضى الأمريكية.
وفى نهاية المطاف، انسحب ترامب من الاتفاق عام 2018 خلال ولايته الأولى. وبينما حاولت دول أخرى الاستمرار فى العمل بالاتفاق، انتهكت إيران بنوده، وانهار الاتفاق، رغم محاولات إدارتى جو بايدن وترامب الثانية استئناف المفاوضات.
الخلاصة أن اتفاق 2015 نجح فى تقليص التخصيبِ نسبةً متدنيةً لعشر سنوات، وتمَّ نقلُ المخصَّب لروسيا، وبالتالى جُرّدت طهرانُ حينها من فرصة بناءِ سلاح نووى لكنها رفعت عنها تقريباً كلُّ العقوبات وأُعيدت لها الديون المليارية، وغُضَّ النظرُعن أذرعتها الإقليمية فى لبنانَ والعراق واليمن، واستمرت تبنى ترسانتها الباليستية.. أوباما كان يعتقد أن الاتفاقَ سيبنى الثقةَ مع نظام إيران، ويعزز توجهاتِ الإصلاحيين نحو التحول والانخراط السلمى إقليمياً ودولياً، وفسر وقتها سياسات النظام الإيرانى العدوانية على أنها نتيجةَ محاصرته وخوفه على وجوده
يرفض ترامب أن يوقّع نسخة مماثلة لاتفاق أوباما خشيةَ أن تضعفَه حزبياً وانتخابياً، وستسيء لصورته وإرثه التاريخى لكن وفقا للمعطيات قد يجد ترامب نفسه مضطرا لنفس مسار أوباما ترامب قد ينجح فى منع إيران من امتلاك سلاح نووى أو الحد من نسبة التخصيب، ونقل اليورانيوم المخصّب المدفون تحت الأرض خارجياً، فهو ضرورة لأى اتفاق وستتراجع إيران عن السيطرة على مضيق هرمز بشكل أو بآخر وهو ضرورة وسيتم استثناء إسرائيل من منعها أى مواجهة مع طهران وأذرعها وهذه النتيجة قريبة جداً من اتفاق أوباما 2015 فالمضيق آنذاك كان مفتوحاً، ويد إسرائيل كانت مطلقة، وإن لم يشمل اتفاقُ ترمب هذه التنازلات من إيران فسيعدّ اتفاقُ أوباما نسخةً أفضل منه.
التسريبات الأخيرة تذكر أنَّ واشنطن مستعدة لرفع الحصار عن موانئ إيران تدريجياً، مقابل رفع إيران يدها وألغامها عن مضيق هرمز. وقد أكدت إيرانُ الروايةَ نفسها مع أنَّها اشترطت استعادةَ 24 مليار دولار محجوزة فى بنوك خارجية، هى أموالٌ مستحقة لمبيعات نفط سابقة. فكُّ الاشتباك سيخفف التوترَ، لكنَّه قد يطيل أمدَ التفاوض ولا تصبح إيران تحت ضغطِ الحصار، وإدارة ترمب لا تستطيع إنهاء حالةِ الحرب من دون اتفاقٍ نووى الذى هو الحدُّ الأدنى.
إذا نجح الرئيس ترامب فى إخراج اليورانيوم عالى التخصيب، وتقييد التخصيب، وفتح مضيق هرمز بلا شروط، فسيقدم ذلك بوصفه انتصارا لا يشبه اتفاق أوباما فى 2015، أما إذا اكتفى بوقف الحرب وتخفيف الضغط وتأجيل الملف النووى، فسيكون ترامب قد خرج بما خرج به أوباما فى 2015 ولا يوجد رئيس أفضل من رئيس.









