فى منتصف الليل، كان رجلٌ بالمعاش يبحث بين عدة ماكينات صراف آلى عن ماكينة «بها كاش». واحدة معطلة، والثانية خارج الخدمة، والثالثة نفدت منها السيولة، بينما يقف عشرات المواطنين فى طوابير طويلة أمام ماكينة قيل إنها «ما زالت تعمل».
مشهد تكرر فى الأيام التى سبقت عيد الأضحى مع آلاف المواطنين، خاصة فى أوقات صرف الرواتب والمعاشات والأعياد.
الشاهد خلال تلك الأزمة القصيرة، أن القطاع المصرفى المصرى نجح فى جذب 53.3 مليون عميل، بنسبة انتشار بلغت 76 % من المواطنين المؤهلين لفتح حسابات.
كما ارتفع عدد حاملى الحسابات البنكية من 17.1 مليون مواطن عام 2016 إلى أكثر من 54 مليونًا حاليًا، بجانب وجود 46 مليون بطاقة بنكية و60 مليون محفظة إلكترونية تعتمد جميعها بصورة مباشرة على ماكينات الصراف الآلى.
لكن فى المقابل، يبلغ عدد ماكينات الـATM نحو 26 ألف ماكينة فقط على مستوى الجمهورية، أى ماكينة واحدة تقريبًا لكل 1,762 مستخدمًا، هذا على فرض أن كل ماكينات الـATM «تعمل» وهو ما يفسر سبب الأزمة وحجم الضغط والزحام والأعطال المتكررة ونفاد السيولة.
ورغم أنه من المؤكد أن هناك أزمة تشغيلية، فإن الإشكالية الإعلامية تبدو أكثر خطورة من وجهة نظرى.
فالعالم تغير، ولم تعد الإعلانات التقليدية أو الحملات الدعائية كافية لحماية سمعة 37 بنكًا عاملاً فى مصر، بل أصبحت سرعة الاستجابة لشكاوى العملاء والتفاعل مع وسائل التواصل الاجتماعى جزءًا أساسيًا من إدارة المؤسسات المالية الحديثة.
وأصبح هناك ضرورة ملحة للتواصل مع كتّاب الرأى بالصحف والمواقع الإلكترونية وصفحات التواصل؛ لتوضيح وشرح الجهود وتلافى السلبيات.. للأسف لا تزال بعض البنوك تتعامل مع مواقع التواصل باعتبارها منصة دعاية فقط، بينما أصبحت فعليًا غرفة طوارئ يومية لرصد غضب العملاء والرد السريع على الشكاوى. فأى مواطن يقف ساعة أمام ماكينة معطلة سينقل تجربته فورًا عبر «فيسبوك» أو «إكس»، وإذا غاب الرد الرسمى والتوعية بالحلول البديلة، تتحول الواقعة الفردية خلال ساعات إلى مشكلة رأى عام.
وللأسف أيضًا، بعض التصريحات الرسمية لقيادات مصرفية عمقت الأزمة بدلاً من احتوائها؛ فحين يخرج خطاب يبرر التكدس أمام الماكينات بأن عملاء بنك واحد سحبوا «9 مليارات جنيه» فى يومين، فهذا منطق إعلامى سلبى يحمل المواطن مسؤولية الأزمة. فبالأرقام، هذا المبلغ «الذى يعادل نحو 187 مليون دولار» لو قُسم افتراضيًا على مليونى عملية سحب، لكان نصيب الفرد 4500 جنيه فقط؛ وهو رقم متواضع وطبيعى جدًا بمقاييس التزامات العيد وشراء الأضاحى ومستلزمات الأسر.
إن النجاح المصرفى لا يعنى بالضرورة امتلاك أدوات الخطاب الإعلامى وقت الأزمات، فالإدارة الإعلامية للأزمات أصبحت علمًا قائمًا بذاته، يحتاج إلى سرعة وشفافية وفهم للحالة النفسية للجمهور، واختيار دقيق للكلمات.
الأزمة التى حدثت لن تكون الأولى ولن تكون الأخيرة مع استمرار التوسع فى الشمول المالى والخدمات الرقمية، لكن الفارق الحقيقى سيكون دائمًا فى طريقة الخطاب الإعلامى الموجه لجمهور ، والقدرة على التواصل السريع، واحتواء المشاكل، والحفاظ على ثقة ملايين العملاء.








