يُعد كتاب «هراء الرأي العام بين نيرة أشرف وصفية السادات» للمستشار بهاء المري، من المؤلفات الفكرية الرصينة التي تقتحم منطقة شديدة الحساسية في الوعي الاجتماعي؛ إذ يناقش ظاهرة الانسياق الجماعي خلف الشائعات والانفعالات العاطفية تحت ما يُسمى اصطلاحًا بـ «الرأي العام». وقد استند المؤلف في ذلك إلى مقاربة تاريخية ذكية تربط بين حادثتين شغلتا المجتمع المصري في زمنين مختلفين: قضية مقتل الطالبة نيرة أشرف، وقضية زواج صفية السادات من الشيخ علي يوسف في مطلع القرن العشرين.
روح الأديب وعقل القاضي
يتميز الكتاب منذ صفحاته الأولى بقدرته على جذب القارئ؛ ليس فقط لطبيعة الوقائع المثيرة التي يتناولها، وإنما بفضل الأسلوب الأدبي الرفيع الذي صاغ به المؤلف أفكاره. فهو لا يكتب بعقل القاضي الصارم وحده، بل بروح الأديب والمفكر والباحث الاجتماعي، مما منح النص حيوية خاصة جمعت بين قوة الحجة وجمال العبارة.
مكمن القوة: لم يتوقف المؤلف عند حدود السرد التاريخي أو التوثيق القضائي، بل تجاوزهما إلى تحليل نفسي واجتماعي لطبيعة الجماهير حين تنساق وراء الشائعات، وتتحول معها منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات صاخبة للتشكيك وإصدار الأحكام المسبقة.
وقد نجح الكاتب في تقديم تشريح نقدي لظاهرة «الرأي العام المنفعل» الذي لا يستند إلى معرفة أو دليل، وإنما يُحركه الانحياز الأعمى والانفعال الجماعي. ويُحسب له طرح أفكاره بأسلوب مفعم بالصور البلاغية والتراكيب القوية ذات الإيقاع المؤثر، حتى يشعر القارئ أحيانًا أنه أمام نص أدبي رفيع بقدر ما هو أمام دراسة فكرية وقانونية. تظهر هذه القوة التعبيرية جليّة في وصفه للهوس المجتمعي بالقضايا المثيرة، وتحليله لآليات تداول الشائعات وتأثيرها المخرب على الوعي العام.
شهادة حية على استقلال العدالة
نجح المستشار بهاء المري في توظيف خبرته القضائية العميقة توظيفًا ذكيًا؛ لا سيما عند حديثه عن استقلال القضاء وحصانته ضد ضجيج الجماهير أو حملات “السوشيال ميديا” في قضايا الرأي العام. فبدت الصفحات وكأنها شهادة عملية من قاضٍ جليل، عايش بنفسه وباشر إحدى أكثر القضايا إثارة للجدل في السنوات الأخيرة.
خلاصة القراءة
في المجمل، يُعد هذا الكتاب إضافة نوعية للمكتبة الفكرية والقانونية العربية؛ ليس فقط لتميز موضوعه، بل لجرأته الفكرية وقدرته على إثارة النقاش حول قضايا الوعي المجتمعي، وتأثير الإعلام الرقمي على “الحقيقة”، مؤكداً أن هذا الصخب -وإن غيّب العقول مؤقتاً- فإنه لا يمكنه أبداً التأثير على مسار العدالة.
إن المستشار بهاء المري في هذا العمل لا يقدم مجرد رصد لقضية رأي عام، بل يطرح مانيفستو فكرياً ضد السطحية والانفعال الجماعي، ودعوة جادة لإعادة الاعتبار للعقل والمنطق والوعي النقدي، وهي رسالة تجعل من هذا الكتاب عملاً جديراً بالقراءة والتأمل.









