يبدو أن الإقليم الذى نعيش فيه قد تغير تماماً ولم يعد هو نفسه الإقليم الذى عاش فيه آباؤنا وأجدادنا، الثوابت تغيرت وتبدلت وكذلك الخطوط الحمراء تحوِّلت إلى خطوط صفراء وخضراء وزرقاء، باختصار نحن أمام « سوفت وير جديد» بكلمة مرور جديدة وشفرة جديدة تماماً، فعلى ضوء ما جرى ويجرى أمام أعيننا من حروب وصراعات مخططة استهدفت تغيير واقع المنطقة وإعادة رسم خريطة إقليمية جديدة تماماً على أنقاض رقاع الخرائط الحالية، كذلك فى إطار فهم أوسع ونظرة شاملة وتحليل دقيق لتفاعلات العلاقات الدولية المعقدة والمتذبذبة بين الحلفاء فى أوروبا وأمريكا وحلف الناتو نفسه وصولا إلى العلاقات الروسية – الصينية وما يجمعهما من تحالف ظاهر ومؤكد فى هذه اللحظة فقط وربما هناك من التباينات المستترة بينهما ما يفوق التباينات الأمريكية ـ الروسية ،
عموما فلنضع أمام أعيننا عدة نقاط واضحة ومجردة وعارية من أى أردية سياسية أو أيديولوجية ونحن نبحث عن تلك الشقرة والمدونة الجديدة للمراجعات الإستراتيجية الجديدة فى ظل التطورات الحاصلة
حولنا، نحتاج إجابة عن عدة أسئلة ربما نصل إلى غايتنا فى النهاية، أولاً: من هو العدو الأساسى للدولة المصرية حالياً ومستقبلاً؟ وما هى جهات التهديد المحتملة للأمن القومى المصرى بمفهومه الواسع؟ ثانياً: هل حقا هناك خطة موضوعة ومتفق عليها بين إسرائيل والولايات المتحدة وبريطانيا لإعادة رسم خريطة للشرق الأوسط الجديد ؟ ثالثا : هل انتهى زمن التوازن الإستراتيجى فى المنطقة والذى كان يقضى بتوازن القوى العسكرية بين إيران وإسرائيل والدول العربية بحيث لا يكون هناك تفوق مطلق لطرف واحد على حساب باقى الأطراف ؟
رابعا : هل قررت أمريكا ان تكون إسرائيل وحدها هى شرطى المنطقة الذى يحمى المصالح الأمريكية فى الشرق الأوسط الكبير بعد القضاء على النموذج الإيرانى ثم محاولة تحييد الدور التركى والمصرى والخليجى فى المنطقة؟ خامساً: إلى أين ستصل نتائج الحرب الأمريكية – الإيرانية ثم الروسية – الأوكرانية؟
الإجابة عن هذه الأسئلة والتساؤلات ستقودنى إلى الإشارة إلى النقاط التالية ونحن نبحث عن شفرة وكلمة سر ونتحدث عن مراجعات إستراتيجية.
1 ـ مع قضاء إسرائيل على قدرات حماس وحزب الله والميليشيات الإيرانية فى المنطقة وأضعاف الحوثى وتقطيع أصابع إيران جميعها ثم التوجه الآن لضربها فى العمق باغتيالات ممنهجة لكبار القادة العسكريين والخبراء النوويين، مع كل هذا الحاصل لابد وأن تكون موازين القوى قد تغيرت تماماً فى المنطقة، لا حماس لا حزب الله لا سوريا لا إيران!
هناك فقط إسرائيل وجيشها الذى غيَّر كل النظريات التقليدية التى تقول بإنه جيش الضربات الخاطفة ولا يستطيع الانغماس فى حروب طويلة، الآن يحارب هذا الجيش على جبهات عدة ولمدة طويلة وهذا يمثل قوة اللياقة العسكرية.
2 ـ هنا لابد وأن نكون واقعيين جداً ونحن نراجع علاقتنا بإسرائيل، ونراجع أيضاً كيفية إدارة هذه العلاقة وكذلك الخلافات القائمة بخصوص غزة والقضية الفلسطينية؟ فما كان جائزاً أو واجباًً منذ عامين لم يعد كذلك الآن، المعادلة تغيرت وأقصد هنا معادلة القوة، فجيش مصر فى أقوى أوضاعه استعداداً وتدريباً وتسليحاً، لكنه جيش دفاعى وله عقيدة واضحة، إسرائيل بدأت تتحدث من خلال كتابها ومفكريها عن تسليح وقوة الجيش المصري، أتصور أن كل هذه الأمور لابد وأن تدخل فى إطار تلك المراجعات الفنية.
3 ـ ونحن فى إطار المراجعة الإستراتيجية يجب أن ننظر إلى تغيير الواقع فى دول حوض النيل ومخاطرانشطار السودان وقلاقل إثيوبيا واضطرابات القرن الأفريقى وكذلك تغيير الواقع فى ليبيا وعدم قدرة أحد الأطراف فى الوصول إلى صيغة نهائية تحافظ على بقاء الدولة المجردة.
4 ـ من ناحية أخرى يبدو أن الجيوش التقليدية والتسليح التقليدى لم ينجح فى حسم المعارك فى روسيا أو إيران، فالمسيرات والذكاء الاصطناعى وحروب المعلومات وشغل الجواسيس واستخدام الإعلام كلها وسائل باتت أساسية فى الحروب الدائرة،
خلاصة القول إن جملة التغييرات الحاصلة ونتائج الصراعات الدائرة تحتم علينا إجراء مراجعات إستراتيجية سياسية وعسكرية وقبلها ثقافية وفكرية وتنظيرية.
فى تقديرى أن الدولة المصرية بكافة مؤسساتها تقف على حقيقة ما يجرى وتتابعه بكل دقة وتتحرك بحكمة بالغة فى حماية قوة عسكرية منضبطة ومتزنة فى إقليم شديد الاضطراب والجموح والجنوح.









