فى أمسية أوروبية تبدو أقرب إلى مواجهة بين مشروعين مختلفين فى فلسفة البناء الكروي، تتجه الأنظار فى السابعة مساء اليوم السبت بتوقيت القاهرة إلى ملعب «بوشكاش أرينا» فى العاصمة المجرية بودابست، حيث يلتقى باريس سان جيرمان الفرنسى «حامل اللقب» مع أرسنال بطل الدورى الإنجليزي، فى نهائى دورى أبطال أوروبا، وتحمل المباراة أبعادا تتجاوز مجرد التنافس على اللقب القاري، لتلامس مفاهيم الاستمرارية، وإعادة تشكيل الهوية، والبحث عن الخلود الأوروبي.
باريس سان جيرمان يدخل النهائى باعتباره حامل اللقب وصاحب أقوى خط هجوم فى البطولة، بعدما سجل 44 هدفًا خلال مشواره القاري، وهو رقم يضع الفريق الفرنسى على بعد هدف واحد فقط من معادلة الرقم التاريخى المسجل باسم برشلونة موسم 1999/2000، لكن الأهم من الأرقام أن الفريق الباريسى يبدو أكثر توازنًا ونضجًا مقارنة بالسنوات السابقة، وهى النقطة التى تعكس التحول الكبير الذى قاده المدرب الإسبانى لويس إنريكى منذ رحيل حقبة النجوم الفردية.
المفارقة التى لا تغيب عن المشهد تتمثل فى أن الفريق الذى فشل لسنوات فى تحقيق الحلم الأوروبى بوجود كيليان مبابي، بات الآن على بعد خطوة من تحقيق لقبين متتاليين بعد رحيله. باريس الحالى لا يعتمد على لاعب واحد، بل على منظومة هجومية متحركة، يقودها عثمان ديمبيلى وخفيتشا كفاراتسخيليا وديزيرى دوي، مع حضور مؤثر لفيتينيا وجواو نيفيز فى عملية الربط والسيطرة.
مشوار باريس إلى النهائى لم يكن سهلًا بأى حال. الفريق مرّ من النصف الأصعب فى البطولة، وتجاوز أندية بحجم موناكو وتشيلسى وليفربول وبايرن ميونخ، وربما كانت مواجهة بايرن فى نصف النهائى هى الاختبار الأكثر تعقيدًا، بعدما انتهت المواجهتان بنتيجة إجمالية 6/5 ، فى صدام كشف قوة الفريق هجوميًا، لكنه أظهر أيضًا أن دفاعه ليس محصنًا بالكامل تحت الضغط العالي.
ورغم أن باريس أنهى الدورى الفرنسى بخسارة شكلية أمام باريس إف سي، فإن الفريق يدخل النهائى وهو يمتلك سلسلة تهديفية ممتدة إلى 27 مباراة متتالية، مما يعكس الثبات الهجومى الكبير الذى يميز الفريق هذا الموسم. كما أن إنريكى نفسه يقف أمام فرصة تاريخية للانضمام إلى قائمة المدربين الذين توجوا بثلاثة ألقاب فى دورى الأبطال، إلى جانب أسماء بحجم كارلو أنشيلوتى وبيب جوارديولا وبوب بيزلى وزين الدين زيدان.
فى المقابل، يصل أرسنال إلى بودابست وهو يحمل رواية مختلفة تمامًا، فالفريق اللندنى لم يسبق له الفوز بدورى أبطال أوروبا، وكانت تجربته الوحيدة فى النهائى عام 2006 مؤلمة أمام برشلونة فى باريس، عندما تحولت ليلة الحلم إلى واحدة من أكثر لحظات النادى قسوة.
وبعد مرور 20 عامًا تقريبًا، يعود الفريق إلى المشهد الختامى بقيادة المدير الفنى الإسبانى ميكيل أرتيتا، تلميذ الفرنسى أرسين فينجر، لكن هذه المرة بثوب أكثر نضجا وصلابة.
أرسنال لا يمتلك القوة الهجومية الكاسحة التى لدى باريس، لكنه يملك ما يمكن وصفه بأفضل منظومة دفاعية فى البطولة. الفريق الإنجليزى لم يخسر أى مباراة أوروبية هذا الموسم، وخرج بشباك نظيفة فى تسع مباريات، وهو أعلى رقم بين جميع المشاركين. كما أن طريقه إلى النهائى شهد تفوقًا تكتيكيًا واضحًا على أندية مثل باير ليفركوزن الألمانى وسبورتنج لشبونة البرتغالى وأتلتيكو مدريد الإسباني.
الميزة الأهم لأرسنال ربما تتمثل فى شخصيته الجماعية، فالفريق لا يعتمد على الإيقاع الجنوني، بل على التحكم فى المساحات، والضغط الذكي، والانضباط الدفاعي، مع استغلال جودة لاعبين مثل بوكايو ساكا ومارتن أوديجارد وديكلان رايس وفيكتور جيوكيريس. كما أن تتويج الفريق بلقب الدورى الإنجليزى هذا الموسم منحه دفعة معنوية ضخمة قبل النهائى الأوروبي.
لكن التحديات التى تنتظر أرتيتا تبدو واضحة، فإصابات الخط الخلفى تمثل مصدر قلق حقيقيًا، خاصة مع الغموض حول جاهزية يوريين تيمبر، وغياب بن وايت، ما قد يفرض الاعتماد على كريستيان موسكيرا فى مركز الظهير الأيمن، وهى مواجهة تبدو شديدة الصعوبة أمام كفاراتسخيليا، أحد أكثر اللاعبين تأثيرًا فى البطولة هذا الموسم.
وعلى الجانب الآخر، لا يخلو باريس أيضًا من مشاكله الدفاعية، خصوصًا مع إصابة أشرف حكيمى واحتمالية الاعتماد على وارن زائير إيمرى فى مركز الظهير الأيمن. كما أن إصابة ديمبيلى الأخيرة فى الساق أثارت بعض القلق، رغم تأكيد اللاعب والجهاز الفنى جاهزيته للمباراة.
تكتيكيًا، تبدو المباراة مفتوحة على عدة سيناريوهات. باريس سيحاول فرض الإيقاع الهجومى منذ البداية، مستفيدًا من سرعة التحولات والتحرك المستمر للثلاثى الأمامي، بينما سيعتمد أرسنال على التنظيم الدفاعى واللعب المباشر فى المساحات، مع استغلال تحركات ساكا وجيوكيريس خلف الدفاع الباريسي.
الصراع فى وسط الملعب سيكون عنصرًا حاسمًا أيضًا، خاصة بين ديكلان رايس وفيتينيا، فالأول يمثل القلب البدنى والتوازنى لأرسنال، بينما يشكل الثانى العقل الإيقاعى لباريس، ومن يفرض إيقاعه فى تلك المنطقة قد يمنح فريقه أفضلية واضحة فى إدارة المباراة.
هناك أيضا بعد نفسى مهم فى هذا النهائي، فباريس يلعب تحت ضغط صناعة التاريخ كأول فريق فرنسى يحقق اللقب مرتين متتاليتين، بينما يدخل أرسنال المباراة مدفوعًا بحلم أول تتويج أوروبى فى تاريخه، وغالبًا ما تكون مثل هذه النهائيات محكومة بالتفاصيل الصغيرة أكثر من الفوارق الفنية المطلقة.
خبرة باريس الأوروبية فى الموسمين الأخيرين قد تمنحه أفضلية نسبية، خصوصًا أن الفريق اعتاد التعامل مع المباريات الكبرى تحت قيادة المدرب لويس إنريكي، لكن أرسنال أثبت هذا الموسم أنه فريق يعرف كيف يعانى وكيف يدير اللحظات الصعبة دون فقدان توازنه.
التوقعات تميل نسبيًا لصالح باريس سان جيرمان، ليس فقط بسبب قوته الهجومية، بل لأن الفريق يبدو أكثر تنوعًا فى الحلول وأكثر قدرة على تغيير نسق المباراة أثناء اللعب. ومع ذلك، فإن أرسنال يملك من الصلابة والانضباط ما يكفى لفرض مباراة طويلة ومعقدة قد تمتد إلى الأشواط الإضافية.
وفى كل الأحوال، فإن نهائى بودابست يبدو مرشحًا ليكون واحدًا من أكثر النهائيات تكتيكيًا وإثارة فى السنوات الأخيرة، لأنه يجمع بين أفضل هجوم فى البطولة وأقوى دفاع فيها، وبين فريق يسعى لتأكيد الهيمنة الأوروبية، وآخر يحاول كتابة أعظم صفحة فى تاريخه القاري.









