شهد المجتمع المصرى على مدار العقد الماضى تحولات مفصلية، خاضت خلالها الدولة المصرية معركة وجودية ضد قوى التطرف والإرهاب التى حاولت اختطاف هوية الدولة وتقويض ركائزها. وبينما نجحت الدولة فى استعادة زمام المبادرة الأمنية وتفكيك البنى التنظيمية الكبرى لجماعة الإخوان، تظل قضية الخلايا النائمة تحدياً استراتيجياً يتطلب مقاربة شاملة لا تقتصر على الجانب الأمنى فحسب، بل تمتد لتشمل الأبعاد الفكرية والمجتمعية والسياسية.
إن ضرورة تعقب هذه الخلايا ليست مجرد إجراء احترازي، بل هى التزام وطنى لحماية مستقبل التنمية والاستقرار الذى تعمل الدولة على تحقيقه. وتعتمد جماعة الإخوان فى استراتيجيتها الحالية بعد انهيارها على ما يمكن تسميته بالاختراق الهادئ أو التكتيكي، هذا النمط قد يجلب ضغوطاً أمنية فورية، ويهدف إلى الحفاظ على هيكل تنظيمى سرى يعمل فى مسارات موازية. وتكمن خطورة هذه الخلايا فى قدرتها على التغلغل داخل مفاصل اجتماعية أو مهنية، محاولة إعادة إنتاج خطابها بأساليب مغلفة بالعمل الخدمى أو الدعوى أو حتى المهني.
إن تعقب هذه الخلايا ضرورى لأنها تعمل كخزانات وقود للمشروع المتطرف، فهى توفر الحواضن البشرية، وتسهل عمليات التمويل الخفي، وتعمل على غسل الأدمغة فى دوائر مغلقة، إن ترك هذه الخلايا دون رصد يعنى السماح بنمو أورام خبيثة فى جسد المجتمع، قد تتفجر فى أوقات الأزمات الاقتصادية أو السياسية، مستغلة أى حالة من عدم الرضا الشعبى لتحويلها إلى وقود لعدم الاستقرار. وفى ظل التحديات الإقليمية والدولية المعقدة، وأمام مشاريع التنمية الوطنية الضخمة مثل «الجمهورية الجديدة» والمشروعات القومية فى سيناء والدلتا، أصبح من الضرورى تحصين هذه المكتسبات من أى محاولات تخريبية داخلية. الخلايا النائمة تعمل غالباً كأدوات لزعزعة الثقة بين المواطن والدولة، عبر نشر الشائعات، وتشويه الحقائق، والتشكيك فى الجدوى الاقتصادية للمشروعات القومية.
ولذلك فإن تعقب هذه الخلايا هو جزء لا يتجزأ من معركة التنمية، فالمستثمر المحلى والأجنبى يبحث دائماً عن البيئة الآمنة، واستئصال أى بؤر للفكر التحريضى أو التنظيمى يعزز من استقرار بيئة الأعمال ويحمى الاقتصاد من محاولات التلاعب أو التخريب من الداخل.
إن المواجهة الناجحة لهذه الظاهرة لا تكمن فى الاعتماد على الأجهزة الأمنية بمفردها، بل تتطلب استراتيجية المجتمع اليقظ. إن أهم خط دفاع هو المواطن الواعي. ويجب تفعيل أدوات التنوير الفكرى التى تفكك الخطاب الإخواني، وتكشف تناقضاته، وتوضح أهدافه الخفية للشباب والنشء. ولا بد من تعزيز ثقافة الإبلاغ الوطنى عن أى ممارسات مشبوهة. إن تعقب الخلايا النائمة لا يعنى التضييق على الحريات، بل يعنى حماية الحريات من قوى لا تؤمن بها أصلاً. ولابد من تقوية دور المجتمع المدنى والجمعيات الأهلية التى تقدم خدمات حقيقية للمواطنين، لكى لا تترك مساحة تملؤها الجمعيات التابعة لتيارات التطرف تحت ستار العمل الخيري.
وتعمل الخلايا النائمة دائماً على بث خطاب المظلومية لاستقطاب عناصر جديدة. ويجب أن تظل الدولة منفتحة على الحوار الوطني، ومعالجة القضايا الاجتماعية والاقتصادية بجدية، مما يقطع الطريق على أى محاولات لتوظيف الأزمات سياسياً، إن المرحلة الراهنة فى مصر تتطلب يقظة تامة. فالعدو لم يعد يواجه الدولة فى الميادين، بل فى الخفاء عبر حرب المعلومات والتحريض الصامت. إن تعقب الخلايا النائمة يتطلب تحديثاً مستمراً للأدوات الأمنية والسيبرانية لرصد أى محاولات لتنظيم الصفوف أو جمع التمويلات. كما يتطلب أيضاً قدرة على التمييز بين المعارضة السياسية الوطنية التى تمثل صوتاً مهماً فى المجتمع وبين التيارات التى لا تزال تدين بالولاء لتنظيمات دولية تعادى الدولة المصرية، إن ضرورة تعقب خلايا الإخوان النائمة تنبع من رغبة أصيلة فى الحفاظ على النسيج المجتمعى المصرى من التمزق، إن الدولة التى قدمت تضحيات غالية من دماء أبنائها فى الجيش والشرطة لتطهير البلاد من الإرهاب، لا يمكنها أن تسمح بعودة هذه القوى عبر أبواب خلفية، إن الأمن هو السبيل الوحيد نحو التنمية، واليقظة هى الضمانة الوحيدة لاستمرار مسيرة البناء فى «الجمهورية الجديدة». إنها مسئولية الجميع دولة ومواطنين لضمان أن يظل المجتمع المصرى محصناً ضد أى فكر يسعى لهدم كيانه أو تقويض استقراره.









