الابتهاج فى وجه العاصفة، والابتسامة فى وجه الخذلان، والضحك فى وجه الإحباط، جميعها تكسر هيبة الحزن والألم والفشل. إذن، فالسعادة هى الهدف الأسمى الذى يبحث عنه الإنسان. لكن، هل السعادة هى الرضا؟ وما فلسفة السعادة حقًا؟
أرسطو يرى أن السعادة هى الهدف الأسمى للإنسان، وتتحقق عبر عيش حياة عقلانية تُمارَس فيها الفضيلة، وتُطوَّر فيها القدرات الشخصية كاملة. أما سيجموند فرويد فرأى أن السعادة تقوم على «مبدأ اللذة» وتجنب الألم الناتج عن إشباع الغرائز، لكنه اعتبر السعادة المطلقة أمرًا يصعب تحقيقه باستمرار بسبب قيود الحضارة والمجتمعات.
أما زوربا، الفيلسوف اليونانى صاحب «رقصة زوربا» الشهيرة، فكان يبحث عن السعادة حتى فى خضم الحزن والألم. كان يرقص بعد أن يفشل فى مشروعاته، وتتبدد أمواله كلها. فالرقص هنا يعنى تحدى الهزيمة، والاعتراف بأن الحياة تستمر رغم الخسائر. والرقص، بالنسبة لزوربا، تكسير لرتابة الحياة المنظمة، ووسيلة لتحطيم قيود العقل والكتب التى كان سجينها صديقه المثقف. إنها دعوة لتجربة الحياة بعفوية، بدلًا من التفكير المفرط.
كان زوربا يرقص عندما يحزن، وعندما يغضب، وعندما يفرح. فالرقص، عند زوربا، تفريغ كامل للشحنات العاطفية المتناقضة دون كبتها. وترسل الرقصة رسالة مفادها أنه، فى قلب كل مأساة أو أزمة، يملك الإنسان سلاح الابتهاج.
أما أبيقور، فكان يربط السعادة بالمتعة، لكنه يقصد المتعة العقلية والنفسية البسيطة؛ مثل الصداقة، والتفكير، والطمأنينة، وتجنب الألم والخوف، وليس الملذات المادية المفرطة.
أما الفارابي، فيرى أن السعادة هى «أقصى الكمالات الإنسانية» ولا يمكن للفرد تحقيقها بمفرده، بل يحتاج إلى مجتمع تعاوني، أو «المدينة الفاضلة»، يساعده على ممارسة الفضائل وتطوير العقل. وكان ابن سينا يرى أن السعادة الحقيقية هى «الخير الخاص بالإنسان»، وتتحقق عندما يتحرر العقل من أسر الشهوات البدنية، ليتصل بالملأ الأعلى والعلوم الإلهية.
أما فى القرآن الكريم، فقد وردت لفظة «السعادة» أو مشتقاتها مرتين فقط، فى سورة هود: (يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ)، (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِى الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ).
وهناك آية فى سورة الحديد يصفها العلماء بأنها «آية السعادة»: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى الْأَرْضِ وَلَا فِى أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِى كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ).
أما الفرح، فقد ورد نصًّا فى أكثر من موضع، منها قوله تعالى فى سورة يونس: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ).
وفى سورة آل عمران: (فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ).
فالفرح والطمأنينة هما أداتا السعادة، التى تظل غاية الإنسان الكبرى. فلنكسر هيبة الحزن بسلاح الفرح.









