لم تعد أزمة الانفلات الأخلاقى فى الشارع المصرى مجرد فجوة أجيال عادية.. أو سلوكيات فردية يمكن غض الطرف عنها تحت وطأة التغيرات الزمنية.. إننا اليوم أمام عرض لمرض هيكلى حاد يضرب جسد المنظومة القيمية.. لاسيما بين أوساط الشباب والنشء.. تحول بات يهدد السلم المجتمعى ويضع الهوية المصرية التاريخية فى مهب الريح أمام العولمة الرقمية والسيولة السلوكية.
إن نظرة واحدة للشارع المصرى ترصد وبكل سهولة حالة انفلات أخلاقى غير مسبوق فى مصر ولا نستثنى أحدا سواء شباب أو فتيات وأحيانا كثيرة أطفال يعيشون للأسف الشديد بلا قدوة ولا تربية سليمة ولا أسرة تعلمهم القيم والاحترام أو تربيهم على مكارم الأخلاق ولا حتى التربية الدينية التى تعلمهم أسس الدين القويم.. فأصبح من الطبيعى أن تسير فى الشارع لتسمع من الألفاظ الخارجة والتصرفات المشينة ما يضعنا أمام مسئولية كبيرة تحتم علينا التوقف والدراسة للوقوف على أسباب الظاهرة المنتشرة بقوة فى كل شوارع مصر وعلى جميع المستويات!!
المتأمل فى تفاصيل حياتنا اليومية يرصد بوضوح ملامح هذا المنحدر بدءاً من استباحة الفضاء العام عبر تصاعد معدلات التحرش اللفظى والبدنى والمشاجرات العنيفة.. مروراً بتراجع هيبة القدوات التقليدية داخل الأسرة والمؤسسات التربوية..وصولاً إلى الابتذال الرقمى الهابط على منصات مثل «تيك توك» حيث تحولت الخصوصية والحياء إلى بضاعة رخيصة تباع وتشترى فى سوق البحث عن «التريند» والربح السرى وهو ما كان سببا مباشرا لما وصلنا إليه من انحدار قيمى وأخلاقى وصل لحد الفظاعة..
إن هذا الانهيار ليس وليد الصدفة.. بل هو نتاج مباشر لتضافر ضغوط معقدة.. ففى الوقت الذى يركض فيه أولياء الأمور لتوفير متطلبات المعيشة وسط أزمات اقتصادية ضاغطة..تخلت الأسرة مجبرة عن دورها التربوى لتتركه لهواتف ذكية وخوارزميات موجهة تصيغ وعى الأبناء بعيداً عن قيم المجتمع..ويواكب ذلك تراجع ملحوظ فى دور المؤسسات الصامتة كقصور الثقافة التى فقدت دورها ووجودها وتأثيرها فى تكوين الشباب وهو دور أساسى لها تخلت عنه بمحض الإرادة..
ولا ننسى أيضا دور مراكز الشباب التى لم يعد لها أى دور فى احتواء الشباب بالأنشطة الرياضية التى تجمع الشباب والمراهقين فى فترات حساسة من أعمارهم.. وتحولت مراكز الشباب إلى الاستثمار والبحث عن الربح حتى أن مركز شباب الجزيرة أكبر مراكز الشباب على مستوى الجمهورية أصبحت عضويته تقارب الـ60 ألف جنيه أو تزيد.. وأى مركز شباب آخر أصبحت عضويته بآلاف الجنيهات..فأى شباب يمكن أن يدفع هذه المبالغ؟؟!!
أضف إلى ذلك ضعف أثر الخطاب الدينى التقليدى فى مواجهة الطوفان الرقمى المستفحل لتتحول الشوارع والمدارس إلى ساحات مشحونة بالتوتر العصبى والإحباط النفسى.
خطورة هذا المشهد تتجاوز السلوكيات الفردية لتمس مباشرة ركائز الأمن القومي.. فالمجتمع الذى يفقد أخلاقه وانضباطه السلوكى يصبح بيئة طاردة للاستثمار والسياحة والأخطر من ذلك هو السيناريو المستقبلي..إذ إننا بصدد جيل يقدس التفاهة ويرفض الانضباط والعمل الجاد مما يهدد الكفاءة الإنتاجية للدولة مستقبلاً ويجعل شبابنا لقمة سائغة للشائعات وحروب الجيل الخامس التى تستهدف تفكيك الجبهات الداخلية بلا سلاح..
كذلك يجب أن يمتد خط الدفاع إلى التحرك الشعبى والأهلى من خلال استعادة الرقابة الأسرية والمجتمعية وتطوير الخطاب الدعوى للأزهر والكنيسة ليتحدث بلغة العصر الرقميمع إعادة إحياء دور الجمعيات الأهلية فى احتضان طاقات الشباب وإعادة الاعتماد على المعلم والأب كركيزتين للقدوة الغائبة.
إن معركة بناء الإنسان لا تقل أهمية عن معركة تشييد البنية التحتية والمشروعات القومية، بل هى الأساس لها.. فالإصلاح المادى يفقد بريقه تماماً إذا انهار البنيان الأخلاقى الذى يحميه.. إنها دعوة لإنقاذ الهوية.
وللحديث بقية..








