ليس العيد فى فلسطين كما يعرفه الناس فى بقية العالم، هناك، لاتبدأ الصباحات بزينة الشوارع ورائحة الكعك فقط، بل تبدأ أيضًا بأسماء الشهداء، وصور المفقودين، وأخبار البيوت التى سقطت فوق رءوس أصحابها قبل ساعات قليلة من التكبيرات.
يخرج اليوم أطفال العالم بملابسهم الجديدة بحثًا عن فرحة صغيرة، ويخرج أطفال فلسطين بحثًا عن ماء أو رغيف خبز أو مكان آمن ينامون فيه بعيدًا عن القصف، حتى الفرح يبدو محاصرًا.
قطاع غزة، الذى لا تتجاوز مساحته 365 كيلومترًا مربعًا، تحوّل خلال الشهور الأخيرة إلى واحدة من أكثر بقاع الأرض وجعًا، أحياء كاملة اختفت من الخرائط، ومنازل تحولت إلى أكوام من الحجارة والرماد، وعائلات كاملة مُسحت من السجل المدنى تحت القصف، وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى نزوح أكثر من 1.9 مليون فلسطينى داخل القطاع، أى ما يقرب من 90 ٪ من السكان، فى مشهد يكشف حجم الكارثة الإنسانية التى يعيشها شعب كامل تحت الحصار والنار.
المأساة الحقيقية تتجسد فى أمٍّ فلسطينية تحتفظ بملابس طفلها الشهيد وكأنها تنتظر عودته، وفى أبٍ يحاول أن يبدو قويًا أمام أطفاله بينما يعجز عن توفير الطعام لهم، وفى طفل يسأل أمه إن كان العيد سيأتى يومًا بلا طائرات ولا خوف.
لم يعد الأطفال يحلمون بلعبة جديدة، بل بليلة كاملة بلا صوت انفجار، بعد ان كشفت الحرب الأخيرة الوجه الأكثر قسوة لماكينة الحرب الصهيونية، لا تفرّق بين مستشفى ومدرسة، ولا بين طفل وامرأة، ولا بين خيمة نزوح وهدف عسكرى.
اغلب دول العالم الذى يرفع شعارات حقوق الإنسان وحماية المدنيين، يشاهد فى الوقت نفسه أطفال فلسطين يُنتشلون من تحت الأنقاض، ومدارس تحولت إلى مراكز إيواء ثم إلى أهداف للقصف، ومستشفيات خرجت عن الخدمة وسط نقص الدواء والكهرباء والوقود.
فى الضفة الغربية والقدس، فالصورة ليست أقل قسوة، وإن اختلفت التفاصيل، يعيش الفلسطينى تحت ضغط يومى من الحواجز العسكرية والاقتحامات والتوسع الاستيطاني، أكثر من 700 ألف مستوطن صهيونى يعيشون اليوم فى الضفة الغربية والقدس المحتلة، بينما تتقلص الأراضى الفلسطينية عامًا بعد آخر تحت حماية السلاح.
ورغم كل هذا يبقى الفلسطينى متمسكًا بالحياة بصورة تثير دهشة العالم، ففى صباح العيد، تُرفع التكبيرات من بين الركام، وتحاول الأمهات إعداد ما تيسر من الطعام لأطفالهن، ويخرج الناس للصلاة فوق أرض ما زالت تنزف، لا يحتفلون لأنهم يعيشون واقعًا طبيعيًا، بل لأنهم يرفضون أن تنتصر المأساة على روحهم، ويرفضوا أن يتحولوا إلى مجرد رقم جديد فى نشرات الأخبار.
ومنذ النكبة عام 1948، حين جرى تهجير أكثر من 750 ألف فلسطينى وتدمير مئات القرى والبلدات، وهذا الشعب يعيش بين اللجوء والحصار والحروب، لكنه لم يفقد هويته ولا إيمانه بحقه فى الحياة فوق أرضه، وربما هنا تكمن الحكاية كلها، فالقضية الفلسطينية لم تعد مجرد صراع سياسى على الحدود، بل أصبحت اختبارًا يوميًا لمعنى العدالة الإنسانية نفسها..هذا ما زالت تكبيرات العيد ترتفع من فلسطين … لا كاحتفال كامل، بل كإعلان عن شعب ما زال حيًا، رغم الموت والحصار والخراب .. ولعلنا قريبا نعيش عيد عودة فلسطين.









