تُقاس الانتصارات فى موازين الحروب بحجم الإنجازات الواقعية ومدى تحقيق الأهداف السياسية والعسكرية على الأرض.. هذه هى القاعدة الأساسية التى غابت عن عقيدة الاحتلال الإسرائيلى، الذى غرق فى غطرسته ومباهاته بارتكاب أبشع الجرائم الوحشية؛ فالناظر بعين الفحص إلى حجم الإنجازات التى حققها الكيان منذ عملية «طوفان الأقصى» فى السابع من أكتوبر ــ تلك الصدمة التى كسرت كبرياءه وأطاحت بأمنه الاستراتيجى لن يجد إنجازاً حقيقياً واحداً يُذكر، رغم مرور ما يقارب الأعوام الثلاثة من حرب الإبادة والتدمير الشامل، لم يحصد الاحتلال سوى الخيبة، فلا هو استطاع القضاء على روح المقاومة، ولا نجح فى تهجير الفلسطينيين من أرضهم، ولا تمكن من انتزاع عقيدة التحرير الراسخة فى وجدانهم.
هذا المشهد يعيد إلى الأذهان ما سطره الجيش المصرى العظيم فى السادس من أكتوبر عام 1973، حينما حطم أسطورة «الجيش الذى لا يُقهر»، فبعد أن اعتدى الاحتلال على الأرض واحتل سيناء متوهماً أن مصر لن تقوم لها قائمة، باغته الطوفان المصرى بضربة قاضية أذلّت كبرياءه وكشفت حقيقته الهشة بأنه «أوهن من بيت العنكبوت» فتساقطت قواته ودشمه الحصينة أمام جنود مصر الذين تسلحوا بالإيمان والإصرار على استعادة الكرامة، فكتب الله لهم النصر المبين.
وفى هذه الأيام المباركة بينما يحتفل المسلمون فى شتى بقاع الأرض بعيد الأضحى المبارك، ويتقربون إلى الله بنحر الأضاحى إحياءً لسنة نبى الله إبراهيم عليه السلام وسط أجواء تعمها البهجة والسرور؛ يصعّد الكيان الإسرائيلى من حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطينى فى قطاع غزة، حاصداً أرواح العشرات من المقاومين والمدنيين الأبرياء فى تحدٍ سافر لكل القوانين والأعراف الدولية متوهمًا أن سياسة القتل والاغتيالات قادرة على إخماد المقاومة غافلاً عن أن نزيف الدماء والاغتيالات لا تزيد المقاومين إلا صلابة وتماسكاً.
وعلى الجبهة الشمالية لا يختلف المشهد كثيرا من حيث الغطرسةً والنزيف حيث يشن العدو غاراته اليومية المكثفة على قرى ومدن الجنوب اللبنانى مستهدفاً المدنيين الذين أرادوا الاحتفال بالعيد باحثًا عن إنجاز وهمى يعيد الأمن لسكان مستعمراته، هذه هى الحقيقة الأزلية التى يعجز الكيان الإسرائيلى عن استيعابها منذ نشأته ورغم أنه خاض حروباً عدوانية لا تُعد ولا تُحصى وقتل مئات الآلاف من الأبرياء ودمر بلاداً بأكملها بوحشية تفتقر لأدنى معانى الإنسانية إلا أن أهدافه وأساطيره التوراتية المزعومة ستبقى سراباً ووهمًا ولن تتحقق أحلامه طالما أن الأرض تنبت فى كل جيل من يقاوم الظلم ويسعى إلى الحرية ويأبى الانكسار.









