يجد الرئيس الأمريكى ترامب نفسه عالقاً فى حربه ضد إيران بلا حسم، فلا هو قادر على إنهاء الحرب قبل أن يحصل من إيران ـ بالمفاوضات ـ على ما عجز أن يحصل عليه بالحرب، حتى يخرج بالنصر الذى يستطيع أن يقنع به الداخل الأمريكى والعالم، ولا هو مستعد لاستئناف القتال خشية أن تغوص أقدامه أكثر فى المستنقع الإيرانى فى ظل ضغوط داخلية ودولية تطالب بسرعة إنهاء أزمتى الطاقة والغذاء العالميتين اللتين تسببت فيهما الحرب.
وتدرك إيران جيداً ذلك، وتتمسك لهذا بأقصى درجات الصبر الإستراتيجى والقدرة الذاتية على الصمود فى مواجهة تصاعد الضغوط، واثقة أن إطالة أمد المفاوضات يسمح لها بفرصة تعزيز قدراتها العسكرية وترميم أوضاعها الداخلية، بينما تتآكل هيبة أمريكا ورئيسها فى المنطقة والعالم.
وفى النهاية ترفع إيران شعار أنها ليست مطالبة بإنهاء الحرب، لأنها ليست من بدأها، وبالتالى فإن «من بدأ المأساة ينهيها».
ووسط هذا المناخ الممل، فكر الرئيس الأمريكى فى شيء يكسر به هذا الملل، ويغير من صورته التى تبدو للعالم وكأن إيران تركته جالساً على بابها ويده على خده فى انتظار أن تعطيه الموافقة التى ينتظرها على طلباته.
ووجد الرئيس الأمريكى الحل ـ من وجهة نظره ـ فى القفز إلى الأمام، وبمنطق «الصفقات» الذى يؤمن به ويمارسه، قرر أن يربط أى اتفاق يتوصل إليه مع إيران، بقطار التطبيع العربى والإسلامى مع إسرائيل!!
وفى اتصال هاتفى جماعى مع قادة 8 دول عربية وإسلامية هذا الأسبوع لبحث ما انتهت إليه الوساطات فى مسار التوصل لاتفاق مع إيران، طالب الرئيس الأمريكى القادة بالتوقيع على ما يسمى بـ «الاتفاقات الإبراهيمية» بالتزامن مع أى اتفاق يتم التوصل إليه مع إيران لتصبح الصفقة أكبر وأعظم، ويحل السلام الشرق الأوسط كله، بل والعالم.
وقال إنه سيكون من الأعظم أكثر أن يجعل إيران هى الأخرى توقع على هذه الاتفاقيات مع إسرائيل، ويعيش الجميع فى الشرق الأوسط ـ بالتعبير الشعبى عندنا «فى تبات ونبات ويخلفوا صبيان وبنات».
ونوّه ـ فى هذا الصدد، إلى أن الدول العربية الأربع التى وقعت هذه الاتفاقيات مع إسرائيل عام 2020، وهي: الإمارات والبحرين والسودان والمغرب، تعيش حالة ازدهار مالى واقتصادى واجتماعى غير مسبوقة!
وفيما يشبه التحذير المبطن، قال الرئيس الأمريكى إن الدولة التى لن توقع، ستصبح خارج الصفقة وسيعتبر امتناعها عن التوقيع عن سوء نية.
ولم يتلق الرئيس الأمريكى رداً خلال المكالمة من القادة على هذا العرض.
وبعد أن نشر الرئيس الأمريكى على موقعه هذا العرض عقب انتهاء المكالمة، سارع السناتور الأمريكى المؤيد له «ليندسى جراهام» ـ فى منشور له على موقع «إكس» بوصف هذا العرض بأنه «خطوة بالغة الذكاء» من الرئيس ترامب، وأن هذا سيكون واحداً من أكثر الاتفاقات تأثيراً وأهمية فى تاريخ الشرق الأوسط.
ودعا «جراهام» الدول العربية والإسلامية إلى سرعة الانضمام إلى هذه الاتفاقيات.. وأضاف: «أما إذا رفضتم، فستكون لذلك تداعيات خطيرة على علاقاتنا المستقبلية» !
ولمن لا يعلم، فإن الدول التى تحدث الرئيس الأمريكى إلى قادتها فى ذلك هى: مصر ـ السعودية ـ الإمارات ـ قطر ـ الأردن ـ البحرين ـ تركيا ـ وباكستان.
والاتفاقيات الإبراهيمية، هى اتفاقيات للتطبيع «المجانى» مع إسرائيل، تنص على إنشاء علاقات دبلوماسية واقتصادية وسياسية معها وخطوط طيران وما إلى ذلك، قفزاً فوق «المبادرة العربية» التى قدمتها السعودية واعتمدتها القمة العربية من أكثر من عشرين سنة ورفضتها إسرائيل، والتى تقوم على مبدأ «الأرض مقابل السلام».. ومازالت هذه المبادرة على الطاولة ولم يتم سحبها أو إلغاؤها رسمياً من قمة عربية مماثلة، وتقع فى إطار مبادئها، اتفاقيتا السلام المصرية والأردنية مع إسرائيل.
ومازالت القضية الفلسطينية قضية العرب المركزية، ومازالت إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على الأراضى الفلسطينية التى تحتلها إسرائيل، وعاصمتها القدس الشرقية، فى إطار حل الدولتين هى المسار الوحيد الذى يحظى بإجماع عربى وعالمى، لإقرار السلام فى الشرق الأوسط.
وعجز الرئيس الأمريكى عن حل قضية معقدة مثل قضية حربه ضد إيران، لا يكون الخروج منه هو القفز إلى قضية أكثر تعقيداً هى القضية الفلسطينية، عصب السلام والاستقرار والأمن فى الإقليم كله.. كانت كذلك منذ قرن مضى ومازالت، وليست كقضية إيران وليدة سبعة وأربعين عاماً فقط منذ بداية الثورة الإسلامية بها.
وإسرائيل وأمريكا هما العامل المشترك بين القضيتين، وتتحملان معاً مسئولية كل ما جرى ويجرى فى الشرق الأوسط من فوضى وتفكك وغياب الاستقرار الذى يؤثر على الأمن والسلام فى العالم بأسره.
وقضية التطبيع مع عدو مازال يحتل الأرض ولا يعترف بالشعب الفلسطينى ولا بحقوقه المشروعة ويرفض حتى حقه فى إقامة دولته على أرضه، ليست قضية قادة أو أنظمة حكم، بل قضية شعوب.. فحتى فى الدول التى وقعت اتفاقيات سلام مع إسرائيل فإن شعوبها مازالت ترفض التطبيع وتربط تحقيقه بحل القضية الفلسطينية.
ثم أين هو الازدهار المالى والاقتصادى والاجتماعى غير المسبوق الذى جلبته الاتفاقيات الإبراهيمية على من وقعوها مع إسرائيل، وأمامنا نموذج السودان الذى لم يبدأ التمرد فيه والانقسام والصراع العسكرى والدمار وتهجير شعبه إلا بعد توقيع هذه الاتفاقيات.
إن بناء السلام والاستقرار له أسس ومسارات لا ينجح بدونها، وعلى الرئيس الأمريكى أن يحترم الشعوب العربية والإسلامية وقادتها، فهم ليسوا مقاولين من الباطن يجمعهم لـ: «تعويمه» هو ونتنياهو من الأزمة الغارقين فيها، والتبرع لهما بمستقبل المنطقة كلها من أجل أن يظهرا أمام العالم فى لقطة انتصار وهمى أو صانعى سلام زائف.









