وعلى امتداد رحلتى الطويلة فى الصحافة، كانت المحطات الإيجابية أكثر من العثرات، رغم ما واجهته من تحديات؛ إذ انتُخبت عضوًا بمجلس إدارة مؤسسة دار التحرير للطبع والنشر لما يقرب من عشرين عامًا، وهو ما اعتبره رصيدًا من المحبة والثقة منحنى إياه الزملاء الذين لم يبخلوا عليّ بدعمهم، تقديرًا لما حاولت تقديمه لهم من خدمات ومساندة كلما استطعت إلى ذلك سبيلًا.
ومن هنا جاءت مطالبة عدد من الزملاء بترشحى لعضوية نقابة الصحفيين المصرية، وهو الموقع الذى تشرفت بالفوز به لدورتين كاملتين، بينما لم أوفق فى دورتين أخريين رغم حصولى على عدد أصوات وضعنى بين الستة الأوائل، بسبب قانون انتخابى قديم يعود إلى زمن الاتحاد الاشتراكي، يشترط أن يكون بين الفائزين ثلاثة أعضاء – تحت السن – حتى لو كان غيرهم أعلى فى عدد الأصوات وما زلت أرى أن هذا القانون أصبح معيبًا وعفا عليه الزمن، وأن تغييره ضرورة تفرضها العدالة النقابية.
وخلال عملى فى «الجمهورية»، اختارنى مجلس الشورى رئيسًا لتحرير «كتاب الجمهورية»، ثم رئيسًا لمجلس إدارة مؤسسة دار التحرير للطبع والنشر إلى جانب رئاستى لتحرير الكتاب، وهو اختيار لم يكن بترشيح من داخل المؤسسة، وإنما جاء مباشرة من مجلس الشورى برئاسة صفوت الشريف وبموافقة القيادة السياسية آنذاك. وأحمد الله أننى نجحت فى تحويل «كتاب الجمهورية» من الخسارة إلى الربحية، كما حققت المؤسسة خلال العامين اللذين قضيتهما فى رئاسة مجلس الإدارة أرباحًا فى النشاط الجارى.
وخلال رئاستى لمجلس الإدارة وضعت يدى على قضايا فساد بالمطابع والعلاج وغيرهما ولم أتردد لحظة فى فرض العقاب المناسب بحق المتورطين فيها رغم ما كان يجمعنى ببعضهم من علاقات صداقة لكن المصلحة العامة عندى فوق كل اعتبار.
أعتز كثيرًا بمجلس إدارة المؤسسة الذين ساعدونى فى إدارة شئون المؤسسة فى تلك الأيام، وهم الزملاء: الراحل محمد على إبراهيم وخالد إمام وسعد سليم وفهمى عنبه ويسرى الصاوى وفادية محمد ومحيى إبراهيم وشفيق السيد وممتاز حامد.
وبعد أحداث يناير 2011، رأيت أن الظرف العام يتطلب ضخ دماء جديدة، فتقدمت باستقالتى إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وأصررت عليها لكن سرعان ما تلقيت اتصالًا من شخصية مهمة تطلب منى التراجع عن الاستقالة، لكننى تمسكت بها عن اقتناع كامل وخلال اجتماع مهم دعانا إليه رئيس الوزراء الأسبق أحمد شفيق وضم قيادات الصحف القومية والحزبية والخاصة وإعلاميين آخرين، تحدثت مطالبًا بضرورة أن تحتذى القيادات الصحفية حذوى أنا والزميل عبدالقادر شهيب رئيس مجلس إدارة مؤسسة الهلال وقتها بتقديم استقالاتهم استجابة لمطالب الرأى العام، لكن طلبى قوبل بالرفض صمتًا باستثناء زميلين أولهما د.عبد المنعم سعيد الذى تساءل لمن تقدم الاستقالة فردّ عليه الفريق شفيق أن من يرغب منكم فى الاستقالة فهو يعرف بالطبع لمن يقدمها.. أما الزميل الآخر فهو عبدالله كمال الذى رفض الاستقالة صراحة وقال إنه لن يترك منصبه إلا بالإقالة وهو ما تم فعلا بعد شهر من تقديمى الاستقالة. لكن معظمهم رفضوا ذلك قبل أن تتم إزاحتهم عن بكرة أبيهم لاحقًا.. ولم أتردد فى الاستقالة ولو عاد بى الزمن لاتخذت القرار نفسه مرة أخرى.
أما المدهش حقًا أيامها ما شهدته الصحافة القومية من انقلاب على نفسها تماما من الموالاة للنقد والهجوم على الرئيس مبارك وحكومته وهو ما لاقى استهجانا كبيرًا؛ إذ كيف تتحول تلك الصحف فى يوم وليلة وهم هم رؤساء التحرير الذين كانوا لا يفتأون يمجدون الرئيس والحكومة ويدافعون عنهم أيما دفاع.
أما معاركى النقابية، فكانت واحدًا من أكثر فصول حياتى سخونة وإيمانًا بحرية الصحافة ففى أثناء عضويتى بمجلس نقابة الصحفيين، خلال فترتى النقيب الراحل مكرم محمد أحمد ثم إبراهيم نافع، خضت معارك عديدة دفاعًا عن المهنة، بدأت بالمطالبة بتبعية النادى النهرى للنقابة إداريًا، وهى القضية التى وقف فيها معى الزملاء محمد عبدالقدوس وصلاح عيسى ومجدى مهنا.
ثم جاءت المعركة الكبرى: معركة القانون 93 لسنة 1995، أو ما عُرف بـ»قانون اغتيال الصحافة» كنت وقتها أمينًا عامًا لمجلس النقابة وممسكًا بهذا الملف التاريخى، وقد قاد المعركة باقتدار الأستاذ إبراهيم نافع ومعه مجلس النقابة والجماعة الصحفية كلها وهذه شهادة للتاريخ. وأذكر جيدًا كيف سمح نافع بنشر كل ما صدر عن الجمعية العمومية غير العادية للصحفيين، بما فى ذلك رسالة الأستاذ محمد حسنين هيكل الشهيرة التى نشرتها «الأهرام» كاملة بعنوان: «القانون يعكس أزمة سلطة شاخت فى مواقعها»، وهو ما أثار غضب الرئيس مبارك وقتها.
ورغم أن بعض الصحف دافعت عن القانون، فإن «الأهرام» بقيادة إبراهيم نافع اتخذت موقفًا مشرفًا ضد هذا التشريع الجائر، ونشر نافع مقاليه الشهيرين «حرية الصحافة والصيد فى الماء العكر»، مؤكدًا أن الدفاع عن حرية الصحافة ليس عملاً ضد النظام، بل دفاع عن الدولة نفسها ضد قوانين تضر بسمعتها ومستقبلها. واستمرت المعركة حتى أُلغى الحبس الاحتياطى ومواد الازدراء التى تضمنها القانون، وانتهت بإلغاء الحبس فى قضايا النشر بعد نضال حضارى شاركت فيه الجماعة الصحفية بأكملها.
وأتذكر الاجتماعات التى عقدناها مع الرئيس مبارك، والتى كنت حاضرًا فيها، حين شرحنا له خطورة القانون على صورة الدولة وحرية الرأي، فأبدى تفهمًا واضحًا، وأصدر توجيهاته بتشكيل لجنة لإعداد قانون جديد للصحافة، وقال وقتها إنه لم يكن يتصور أن القانون صدر بكل هذا السوء.
لقد عشت تلك المعركة بكل تفاصيلها، وأحسبها جزءًا أصيلًا من تاريخى المهنى والنقابى الذى أعتز به.
لكن الحقيقة التى خرجت بها بعد كل هذه السنوات، أن الإنسان لا يتعلم فقط من رؤسائه، بل ربما يتعلم من مرء وسيه أكثر مما يتعلم من بعض من قادوه. فالمدير الناجح هو من يصغى إلى فكرة صغيرة تأتيه من شاب فى بداية الطريق، لأن الحكمة ليست حكرًا على أحد، ولأن الإنسان يظل يتعلم حتى آخر العمر. وكما يقولون: «الحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق الناس بها»، وفوق كل ذى علم عليم.









