السياسة في صورتها العارية لا تتحرك كثيراً بمنطق المبادئ المطلقة الحالمة؛ ولو فعلت لخانت جوهر السياسة نفسها، إذ لا تُدار الدول ولا تُبنى موازين القوى بالأمنيات المجردة، بقدر ما تُدار ــ في كثير من الأحيان ــ ببراجماتية الضرورات، خلف الأبواب المغلقة ، حيث تُصنع القرارات الحقيقية بعيدًا عن ضجيج الشعارات وأضواء المنصات.
بهذا المعنى فكّك المفكر والفيلسوف السياسي الألماني المثير للجدل كارل شميت (Carl Schmitt، 18881985- ) حقيقة اللعبة السياسية، حين رأى أن أخطر لحظاتها ليست تبدّل التحالفات ، ولا انتقال الخصوم من موقع إلى آخر، بل تلك اللحظة الدقيقة التي يُعاد فيها – بعقل بارد وحسابات صارمة- رسم الحدود بين “الصديق” و”العدو”؛ حين يتحول الحليف إلى عبء ينبغي التخلص منه، ويصبح الخصم جسر عبور مؤقتًا، وما يبدو للعامة معركة عقائدية كبرى قد لا يكون في الكواليس إلا إعادة توزيع هادئة للمصالح فوق رقعة شطرنج لا تعترف بالعواطف ولا تُدار بمنطق الوفاء.
وإذا كان التاريخ يعرف رجالًا بوصفهم مؤسسين ، وآخرين يدخلونه كمنقذين يحاولون وقف الانهيار قبل اكتماله، ثم يشرعون في البناء ، فإن أخطرهم جميعاً أولئك الذين يظهرون في لحظة التشقق الكبير؛ لا ليرأبوا الصدع أو يرمموا الجدران فيصبحوا أبطالًا حقيقيين، بل ليعيدوا هندسة الشقوق نفسها، ويمنحوا الفوضى نظامًا خفيًا يضمن لها البقاء والاستمرار المدمر للأوطان .
ولعل هذه المقاربة تكاد تنطبق بحذافيرها على حسن الهضيبي؛ الذي لم يجلس على مقعد المرشد العام الثاني لجماعة الإخوان المتأسلمين عام 1951 قائدًا لتنظيم مستقر، بل هبط بالمظلة فوق أنقاض أزمة هيكلية طاحنة، وصراع شرس على الإرث أعقب اغتيال مدرس الخط حسن البنا.
لقد جاء الهضيبي في لحظة التشقق الإخواني الأكبر، ليدشن مرحلة جديدة من التقية السياسية الإخوانية ؛ مرحلة تُحاك فيها التحالفات مع القصر الملكي، وتُطبخ فيها التفاهمات السرية مع المحتل البريطاني ، تحت غطاء دعائي كثيف ومصنوع لبناء صنم إخواني آخر ، حيث ستطلق عليه الجماعة لاحقًا لقب “المرشد المُبتلى”
في مهب النظام الخاص
حين هَوَت رصاصات الثأر العادل على جسد مدرس الخط حسن البنا في فبراير 1949 ــ بعد أسابيع قليلة من اغتيال الجماعة الإرهابية للنقراشي باشا رئيس وزراء مصر وحاكمها العسكري ، بينما كان الجيش المصري يخوض معاركه البطلة في فلسطين ــ لم تكن الجماعة تفقد مجرد رأس تنظيم أو مؤسس كاريزمي، بل كانت تفقد مركز الجاذبية الوحيد الذي امتلك الخيط الخفي القادر على ربط أجنحتها المتناقضة وإبقائها تحت السيطرة.
فمدرس الخط الذي احتكر لنفسه ــ عمليًا ــ سلطة فهم الإسلام ، وصياغة رسائل الدعوة الإخوانية ، وإدارة التنظيم، والهيمنة على مفاصل الحركة وتمويلاتها بحضور أشبه بالراهب الروسي راسبوتين ، رحل فجأة تاركًا وراءه فراغًا مركباً أكبر من أن تملأه تفاهمات إدارية مرتجلة، أو تُرممه جلسات شورى شكلية اعتادت أن تتحرك داخل ظله لا خارجه.
دخلت الجماعة منذ تلك اللحظة في طور من الشلل الهيكلي الشامل، وبدأت حرب الأجنحة المكتومة تطفو تدريجيًا فوق السطح؛ إذ رأى جناح “النظام الخاص” بقيادة عبد الرحمن السندي أن امتلاكه السلاح والقوة الميدانية يمنحه ــ بحكم الأمر الواقع ــ صكًا غير معلن لاحتكار القيادة وفرض الشروط، بينما تكتلت قيادات الرعيل الأول في الجهة المقابلة، وتحت رماد هذا الاستقطاب الحاد، كانت القواعد الإخوانية تعيش ارتباكًا وجوديًا لم تتدرب يومًا على مواجهته: من يملك حق قيادة الجماعة بعد غياب اللاهوت الصنمي المؤسس؟
لأكثر من عامين كاملين، عجز رحم التنظيم العقيم عن إنتاج خليفة يحظى بإجماع المتصارعين، ومن عتمة هذا الفراغ برز اسم المستشار حسن الهضيبي.
لم يكن ابنًا للتكوين الحركي للإخوان ، ولا نتاجًا لدهاليز الأسر التنظيمية الضيقة التي صاغها البنا ورعاها بنفسه؛ بل كان قاضيًا يرتدي مسوح القانون بوجه برجوازي محافظ، بدا ــ في لحظة الانهيار الوشيك ــ أقرب إلى تكتيك سياسي عاجل منه إلى امتداد تنظيمي طبيعي.
لقد جرى الدفع بالهضيبي لأداء مهمة مزدوجة ودقيقة: تقديم وجه مدني وقانوني أكثر طمأنة للدولة وللقضاء بعد سلسلة الاغتيالات الدموية التي التصقت باسم الجماعة، وفي الوقت نفسه كبح جماح “النظام الخاص” الذي تضخم نفوذه حتى بدأ يتصرف كأنه دولة موازية داخل التنظيم.
لكن الهضيبي الذي جرى استدعاؤه لفك عقدة الجماعة المستعصية، حمل معه ــ دون أن يدري ــ بذور أزمة أكثر تعقيدًا؛ فالكاريزما الشخصية لا تُورَّث بقرار تنظيمي، ولا تنتنقل عبر لوائح أو مبايعات.
ومنذ اللحظة الأولى التي أُدخل فيها إلى مكتب المرشد، وُلدت عقدة الهضيبي الكبرى:
شرعية مأزومة تبحث لنفسها عن شرعية مفقودة.
فلم يكن صعوده نتاج مشروع فكري متماسك، ولا امتدادًا طبيعيًا لمسار الدعوة الإخوانية ، بقدر ما كان اتكاءً اضطراريًا لتنظيم عاجز عن الاتفاق مع نفسه – كعادتهم – دفع به إلى مقعد القيادة لتبدأ من هنا كواليس “اللعبة الجديدة “
صالونات عابدين
في يناير من عام 1950، دوت في أرجاء مصر نتائج الانتخابات البرلمانية باكتساح ساحق لحزب الوفد، ليتولى مصطفى النحاس باشا تشكيل الحكومة بموجب إرادة شعبية عارمة.
في تلك اللحظة الفارقة، استشعر الملك فاروق خطراً حقيقياً يهدد عرشه، ورأى بوضوح أن رقعة الساحة السياسية باتت تتحرك بعيداً عن هيمنة القصر، وأن خصمه التاريخي (الوفد) صار يمتلك ظهيراً شعبياً هادراً قادراً على نسف توازنات السراي وإملاء الشروط .
وأمام هذا المأزق ، هرع الملك ممتطياً قواعد “اللعبة القديمة” التي طالما أتقنها القصر: استدعاء جماعة الإخوان المتأسلمين كأداة وظيفية لضرب وتفتيت المد السياسي المنافس وضرب وحدة الشعب المصري .
كانت الجماعة في ذلك التوقيت تعيش وطأة الحظر والتفكك والتيه القيادي، وتلهث بحثاً عن أي مظلة سياسية تمنحها طوق النجاة من فناء محقق ، في حين كان الملك يبحث عن “هراوة دينية” غاشمة يعيد بها ضبط موازين القوى لصالحه في الشارع المصري .
ومن رحم هذا العجز المتبادل، برز حسن الهضيبي ليكون بدقة متناهية “نقطة التقاء المصالح” ؛ فالقصر الملكي كان يبحث عن شخصية مهادنة يمكن التنبؤ بتحركاتها وضبط إيقاعها، بينما كانت الجماعة مستعدة للمقايضة برجل يضمن لها استعادة شرعيتها المفقودة بأي ثمن.
وهنا تجلت واحدة من أكثر المفارقات التاريخية سخريةَ في مسيرة الإخوان الإرهابية ؛ فالقصر الملكي الذي استكبر طويلاً على المؤسس حسن البنا، ورفض مراراً وتكراراً فتح أبوابه له أو منحه شرف لقاء الملك فاروق شخصياً ــ مكتفياً باحتقار أصوله وتسيير قنوات اتصال سرية مع حاشيته وتمويله ــ هو ذاته القصر الذي فتَح أبواب صالوناته فجأة وبحفاوة بالغة أمام حسن الهضيبي! ولم يكن هذا الكرم الملكي نابعاً من حب مفاجئ لدعوة الإخوان ، بل لأن ذلك المستشار الأرستقراطي بدا بعقليته القضائية والبرجوازية أكثر خطوط القيادة قابليةً للتطويع، و لتنفيذ وتمرير الإرادة الملكية خلف الستار.
لكن الصدمة الكبرى والمدوية التي هزت وجدان الحركة الوطنية المصرية ، تجسدت فور انتهاء المقابلة؛ حين خرج الهضيبي ليطلق رصاصة الرحمة على دعاوى النزاهة الإخوانية بعبارته الشهيرة للصحف وفي دفتر التشريفات الملكية: ” لقد كان لقاءً كريماً مع مليك كريم .. وإن جلالة الملك فاروق هو حامي المصحف الشريف“
لم تكن هذه الكلمات مجرد مجاملة بروتوكولية فرضتها أصول اللياقة، بل كانت بمثابة إعلان سياسي كامل الشروط والولاء؛ فشباب الجماعة الذين جرى شحنهم وتعبئتهم لسنوات طوال بخطابات مقاومة الفساد، ومناهضة الاستبداد، وجدوا فجأة مرشدهم الجديد يسبغ غطاءً دعائياً دينياً مقدساً على رأس ملك كانت قطاعات واسعة من المجتمع المصري الحُر ترى فيه العنوان الأبرز لانتكاسة مصر، والانحلال الأخلاقي والسياسي.
كان ذلك الموقف الفاضح بداية النهاية لادعاءات الطهرية الأخلاقية تحت إمرة مرشد القصر.
حريق القاهرة… والحسابات التآمرية الباردة
جاء السادس والعشرون من يناير عام 1952، ليفجّر في وجه الجميع السؤال الأكبر والأكثر رعباً في تاريخ مصر الحديث.
كانت القاهرة الجميلة تحترق في مشهد جنائزي مهيب، والنظام الملكي بأسره يترنح تحت ضربات الفوضى الممنهجة، بينما كانت الحركة الوطنية التي قادت ثورة المصريين ضد المحتل ، تدخل إلى واحدة من أحلك لحظاتها وأخطر منعطفاتها الوجودية.
لكن، خلف الأسوار المغلقة لجماعة الإخوان المتأسلمين، كان السؤال يكتسي بلون آخر مختلف تماماً، بعيداً عن هموم الشارع ونزيف الوطن؛ إذ تملكت القيادة الإخوانية هواجس نرجسية انحصرت في صيغة براجماتية واحدة: كيف نحمي مكاسبنا الذاتية بعد حريق القاهرة ؟
ووفقاً لشهادات حية ومذكرات تاريخية متعددة ومتطابقة من داخل التنظيم وخارجه، أصدر المرشد حسن الهضيبي تعليمات صارمة ومباشرة لقواعده بتوجيه الحشود وشحن الجماهير للتظاهر ضد حكومة الوفد الوطنية !
وتتجلى هنا المفارقة المأساوية؛ فهذه الحكومة الوفدية كانت، قبل ساعات قليلة، قد لقنت المحتل البريطاني درساً خالداً في الصمود والتضحية بواسطة أبناء وزارة الداخلية المصرية الأبطال في ملحمة الإسماعيلية (25 يناير).
وبدلاً من أن يصطف الإخوان خلف الدولة والشرطة في معركة الاستقلال، اختار الهضيبي طعن الجبهة الوطنية من الخلف.
إن القراءة السياسية الرصينة والأمينة للتاريخ لا يمكنها أبداً أن تتوقف عند النوايا المعلنة للجماعة، ولا عند تلك الشعارات الدينية الرنانة والمستهلكة التي طالما تاجروا بها على المنصات.
فبينما كانت حكومة الوفد تتعرض لانهيار هائل وسقوط مدوٍ تحت ضغط الأحداث الدامية وحرائق العاصمة، كانت قيادة الإخوان تشعر في قرارة نفسها بالانتشاء والرضا؛ لقد نجحت الجماعة أخيراً في تأدية الدور الوظيفي القذر الذي من أجله منحها القصر الملكي قُبلة الحياة .
ومع إعلان سقوط حكومة مصطفى النحاس باشا تحت وطأة الحريق والتظاهرات الإخوانية ، سقط معها أكبر وأعتى خصم سياسي كان القصر الملكي يبحث عن إضعافه وتحطيم شعبيته لسنوات طوال، لتتحقق رغبة الملك عبر بوابة المرشد ، ويثأر الإنجليز للحرج البالغ الذي تعرضوا له في الإسماعيلية !!
ووسط ركام القاهرة المحترقة ودخانها المتصاعد، ظهر الاختبار التاريخي الحقيقي لكشف زيف الماكينة الدعائية: هل كانت جماعة الإخوان حركة وطنية مخلصة تبتغي رفعة بلادها وتتحرك بنبض الشارع؟ أم أنها كانت مجرد تنظيم براجماتي خبيث، يدير حسابات بقائه الخاصة واستمراره الأناني، كأداة وظيفية طيّعة تم تحريكها بعناية لصالح السراي الملكي والمخططات الإنجليزية؟ ويظل السؤال الأخطر : من الذي حرق القاهرة بعد يوم واحد من بطولات ابناء الشرطة المصرية الخالدة في الإسماعيلية؟
رسائل الجهاد في الشارع… ورسائل الطمأنة في السفارة
كل ما جرى وتدحرج من أحداث دموية وانبطاح سياسي داخل شوارع القاهرة المحترقة وصالوناتها الملكية، لم يكن الأغرب ولا الأخطر في مسيرة الجماعة الإرهابية ؛ بل إن الذهول الحقيقي كان يُطبخ بعناية فائقة خلف الجدران الصامتة للسفارات والقنصليات الأجنبية.
ففي الوقت الذي كانت فيه قواعد الجماعة وشبابها يُساقون ويُربّون بصرامة على أدبيات خطابات الموت، والجهاد، ومقاومة المحتل البريطاني الغاصب، كانت وثائق الأرشيف البريطاني الرسمية ــ المرفوع عنها السرية لاحقاً ــ تكشف للعلن صورة مغايرة، بالغة التعقيد، وفاضحة للازدواجية الإخوانية.
ففي التقارير والتقييمات السرية المتبادلة بين السفارة البريطانية في القاهرة ووزارة الخارجية في لندن، لم يظهر حسن الهضيبي أبداً في عين المحتل كرجل ثوري ، ولا كقائد تنظيم عقائدي راديكالي يصعب التنبؤ بمساراته أو ضبط إيقاع تحركاته.
بل على العكس تماماً، جرى تشريحه ووصفه في تقارير المخابرات والدبلوماسية الإنجليزية بوصف مختلف وصادم: رجل ذو عقلية أرستقراطية برجوازية، يرتعد خوفاً وذعراً من المد الشيوعي ، مما يجعله شريكاً مثالياً للحفاظ على النظام الاجتماعي والسياسي القائم.
ومن رحم هذا التقييم البريطاني ، انفتحت على مصراعيها قنوات الاتصال الخلفية والسرية بين الطرفين.
وتدفقت اللقاءات، والرسائل، والاتصالات السرية التي نُقلت عبر دوائر ضيقة ومحسوبة بدقة على المرشد العام – وعلى رأسهم صهره وعقله السياسي منير الدله – وحملت هذه اللقاءات في طياتها رسائل طمأنة متعددة ومتتالية للمحتل البريطاني ؛ تفيد بأن خطابات الشحن ضد بريطانيا في صحف الإخوان هي مجرد وسيلة لتهدئة الجماهير، بينما الجماعة في حقيقتها ترى في لندن حليفاً ضرورياً.
( كتاب : التاريخ السري لتآمر بريطانيا مع الأصوليين – مارك كورتيس )
وهنا بالذات، تطل المفارقة الأكثر قسوة، ومرارة، وزيفاً في تاريخ التنظيم الإرهابي ؛ فقد كانت القواعد الشبابية والكوادر الوسيطة تُشحن وتُعبأ عاطفياً ودينياً على كراهية إسرائيل و المحتل وضرورة قتاله، في حين كانت القيادة السياسية للمرشد تبحث في الغرف المظلمة عن تفاهمات أكثر هدوءاً، وصفقات أكثر براجماتية مع هذا المحتل نفسه لضمان مقعدها في مستقبل الحكم ، لا سيما أثناء مفاوضات الجلاء عن مصر ، والتي كانت شاقة ومعقدة ، وهو ما لا يمكن أن يتم وصفه إلا كخيانة عظمى لن تُمحى من الذاكرة!!
من (المحنة) إلى التنظيم الدولي
بعد أن انقشعت غيوم العهد الملكي وعصفت ثورة يوليو 1952 بكل المناورات القديمة، دخلت جماعة الإخوان المتأسلمين في صدام حتمي ودموي مع السلطة الجديدة في مصر ، انتهى بوضع رجالاتها وفي مقدمتهم المرشد حسن الهضيبي خلف القضبان.
لكن، في الكتالوج السري للتنظيمات الإرهابية ، لم تتحول الزنازين إلى كلمة النهاية ؛ بل تحولت بخبث إلى نقطة بداية جديدة تماماً، وبيئة حاضنة أُعيد فيها غسيل أدمغة الكوادر وصياغة أيديولوجيا أكثر تطرفاً وعنفاً.
ومن خلف تلك الأسوار ، انطلقت في العتمة خيوط شبكات عنكبوتية وهيكلية جديدة، صممت للعمل في أقسى ظروف المطاردات الأمنية.
وفي تلك الأثناء، كان صهر مؤسس الجماعة والقيادي الحركي سعيد رمضان يتحرك بسرعة البرق خارج الحدود المصرية، عابراً القارات حاملاً معه الجينات المسرطنة للتنظيم المأزوم؛ لتبدأ مرحلة العولمة الإخوانية والارتماء أكثر في أحضان الاستخبارات الغربية .
وسرعان ما ظهرت في عواصم الغرب – وعلى رأسها ميونخ الألمانية وجنيف السويسرية – مراكز إخوانية محصنة، وتشكلت تحالفات جيوسياسية مشبوهة، ووُلدت مشروعات مالية ضخمة عابرة للحدود.
(كتاب: مسجد في ميونخ– ايان جونسون)
لقد نجح التنظيم في إعادة تدوير أزمته الطاحنة في الداخل، وتحويلها في الخارج إلى رأسمال تنظيمي، وسياسي، ومالي هائل؛ حيث استُغلّت ما صور وكأنه آلام عائلات القواعد الإخوانية في مصر كـ “بيزنس للمظلومية” يُتاجر به في الغرب لجلب التمويل وبناء النفوذ.
المرشد المُبتلى؟
كان لقب “المرشد المُبتلى” الذي سوّقته الماكينة الإعلامية الإخوانية بغزارة بمثابة الغطاء الكثيف المصنوع بخبث لمحو عورات الماضي الإخواني .
حيث نجح لاهوت المظلومية في تحويل بدلة السجن إلى أيقونة مقدسة، وأصبح ذلك الجسد النحيل والمسن لـحسن الهضيبي هو البديل الحركي المصنوع للتعويض عن كاريزما المؤسس الغائب حسن البنا.
ومن خلال هذا الغسيل العاطفي للأدمغة، تحول الفشل السياسي الذريع والدموي الخائن للجماعة إلى “قدر وابتلاء إلهي”، وانقلبت الخسارة الميدانية أمام الدولة الوطنية إلى “علامة اصطفاء وربانية”
لكن، يكمن الجانب الأخطر والأكثر دموية في هذا المشهد، في تلك الازدواجية الفكرية المرعبة التي أدارها “الهضيبي” من داخل محبسه؛ فبينما كان يعيش في هالة الثبات المصنوعة، كان هو نفسه الذي أصدر الأوامر والتعليمات السرية بنشر، وطباعة، وتعميم فكر سيد قطب التكفيري وفرضه كمنهج دراسي ملزم على القواعد والكوادر الشابة داخل السجون وخارجها، ليؤسس لانبثاق تنظيم 1965 القطبي المسلح.
وفي ذروة النفاق والتقية السياسية ــ وحين شعر بدنو حبل المشنقة واقتراب المحاسبة بعد افتضاح أمر الخلايا القطبية ــ عمد الهضيبي إلى مناورة مكشوفة بوضع اسمه على غلاف كتاب “دعاة لا قضاة”، مقدماً نفسه في العلن كمصلح يتبرأ من تكفير سيد قطب تملقاً للسلطات ، في حين كان في كواليس الزنازين قد منح الضوء الأخضر مسبقاً لتعميم ذلك الفكر التفجيري بين الشباب .
ربما كان كارل شميت (Carl Schmitt، 18881985-) محقًا حين رأى أن أخطر ما في السياسة هو قدرة الجماعات على إعادة كتابة ذاكرتها.
لقد مات حسن الهضيبي ، لكن بقي داخل الجماعة ما هو أخطر من الرجل نفسه: بقي الكتالوج الذي يحول الصفقات المشبوهة إلى ضرورة، والأزمة إلى بطولة، والخيانة و الفشل إلى ابتلاء مقدس.








