تابعت باهتمام كبير زيارة الملك تشارلز الثالث إلى الولايات المتحدة الامريكية، ولقاءه بقياداتها وربما يعود هذا الاهتمام إلى أننى عشت فترة سعيدة من عمرى على أرض انجلترا، وتعلمت من أهلها الكثير، فكان طبيعياً أن اتابع هذا الحدث بشغف خاص.
خلال المتابعة، انتابنى احساس غريب يصعب تفسيره.. كنت وكأننى أشاهد لقاء الذهب بالفضة ليس اتنقاصا من احد، بل توصيف لحالة تاريخية وثقافية عميقة فبريطانيا، التى كانت تعرف يوما بأنها الامبراطورية التى لا تغيب عنها الشمس، تمتد جذورها إلى أعماق التاريخ، بينما أمريكا ــ رغم قوتها الحالية ــ لا يتجاوز عمرها بضعة قرون منذ أن وصل إليها البحارة «ايا من كانوا»، ووجدوا على ارضها سكانها الاصليين، ثم جاء لاحقا اعلان الاستقلال الامريكى عن بريطانيا ليؤسس الدولة الحديثة قبل نحو 250 عاماً.
هذا الفارق الزمنى ليس مجرد ارقام تذكر فى كتب التاريخ، بل هو فارق فى التراكم الحضارى وفى تشكيل الوعي، وبناء الهوية وقد بدا ذلك جليا ــ وربما بذكاء محسوب أو بروح دعابة راقية ــ فى كلمات الملك تشارلز خلال خطابه، حين اشار إلى عمالقة الادب مثل مشارلز ديكنز وجورج برنارد شو، واستحضر رمزية قلعة وندسور، تلك التى اعجب بها دونالد ترامب، حتى حاول استلهام روحها فى تطوير احد اجنحة البيض الابيض.
كل كلمة نطق بها الملك كانت بمثابة تذكير هاديء، غير مباشر، بأن هناك امما تصنعها الجذور قبل ان تصنعها القوة، وان الاصالة ليست مجرد ماض يروي، بل طاقة مستمرة تغذى الحاضر وتشكل المستقبل.
وهذا يفرض السؤال نفسه: ما الفرق بين المجتمعات الاصيلة وتلك التى قامت على جذور هشة؟
المجتمعات الاصيلة ليست بالضرورة الاقوى اقتصاديا او الاكثر تقدما تكنولوجيا، لكنها غالبا الاكثر تماسكا، لأنها تستند إلى تاريخ طويل من التراكم الفكرى والثقافى هى مجتمعات تعرف من اين جاءت، وبالتالى تدرك إلى اين تمضى أم المجتمعات التى نشأت سريعا، دون عمق تاريخى كاف، فقد تحقق قفزات مذهلة، لكنها تظل اكثر عرضة للاضطراب، لأنها تفتقد ذلك الامتداد الزمنى الذى يمنحها الاتزان.
الاصالة ليست حنينا للماضي، ولا تمجيدا اعمى له، بل هى القدرة على استيعاب هذا الماضى وتوظيفه فى بناء الحاضر هى أن يكون لديك «مرجع»، لا مجرد «مظهر» وأن تمتلك روحا قبل ان تمتلك شكلا.
وفى المقابل، هناك مجتمعات قد تبهر العالم ببريقها ونموها وتقدمها وابداعاتها، ولكنها ــ مهما بلغت ـ تظل فى حاجة إلى سند من تاريخ أو منظومة قيم تمنح هذا التقدم معنى وعمقا وقد لا يكون هذا الطرح سهل الإثبات، لكن من تابع لقاء الملك البريطانى بالرئيس الامريكى يدرك أن الحضارة ليست فقط ما نراه من إنجازات، بل ما يتجلى فى النبرة، والاشارة، والرمز… وفى الثقة الهادئة التى لا تحتاج إلى استعراض… لأول مرة كنت ارى ترامب وكأنه تلميذ صغير يقابل استاذه ومعلمه.. ومن يعلم طبيعة ترامب يفهم سبب توتره وعدم ارتياحه وما صدر منه من تجاوز للأصول البروتوكولية.
ولعل أخطر ما يمكن ان تواجهه أى أمة ليس الفقر او التأخر بل فقدان الاحساس بأصالتها لأن الأمة تفقد جذورها تصبح قا بلة للتشكل فى اى اتجاه، وتفقد قدرتها على التمييز بين ما يناسبها وما يفرض عليها.
فى النهاية، لم تكن تلك الزيارة مجرد حدث سياسى عابر، بل كانت ــ لمن أراد ان يتأمل ــ درسا عميقا فى معنى الاصالة، وفى الفارق بين من يصنع التاريخ… ومن يكتبه لاحقا.
ودائما… عمار يا مصر… لا تقولوا لماذا أذكر مصر هنا…









