فى الخامس والعشرين من مايو كل عام، يرتد إلينا صدى التاريخ حاملاً معه ملامح فجر إفريقى جديد تولد من رحم منظمة الوحدة الإفريقية عام 1963. ولم تكن مصر يوماً غريبة عن هذا المخاض، بل كانت، بحكم الجغرافيا وحتمية التاريخ، الشريك الأساسى والمظلة السياسية والإعلامية واللوجستية لحركات التحرر الوطنى فى خمسينيات وستينيات القرن الماضى بقيادة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، ومنبرا للتلاقى والتضامن آمن به الرئيس الراحل أنور السادات.
واليوم، وإذ يمر أكثر من ستة عقود على ذلك الميثاق التأسيسي، تبرهن الدبلوماسية المصرية فى عهد الرئيس عبد الفتاح السيسى على أن القارة السمراء لم تعد مجرد دائرة من دوائر الأمن القومى التقليدي، بل هى «قاطرة جديدة للاقتصاد العالمي» والعمق الاستراتيجى لمستقبل مصر التنموي. لقد انتقلت القاهرة بالعلاقات المصرية الإفريقية من مرحلة الدعم السياسى البحت إلى مرحلة «الشراكة التنموية الشاملة» وصياغة المصالح المشتركة.
إن التحركات المصرية المكثفة لتعزيز التكامل الإقليمى تتجسد واقعا ملموسا عبر مشروعات عملاقة عابرة للحدود، تترجم رؤية الدولة المصرية لربط شرايين القارة. ففى قطاع البنية التحتية والطاقة، تبرز السواعد المصرية فى تشييد السدود ومحطات الكهرباء «كسد «جوليوس نيريرى» فى تنزانيا، وتطوير شبكات النقل والربط الكهربائى والمائى كركائز أساسية للأمن المائى والتنمية المستدامة، تماشياً مع أجندة «الاتحاد الإفريقى 2063».
لم تقف الجهود عند حدود الطاقة، بل امتدت لتشمل قطاع الزراعة عبر نقل التكنولوجيا الزراعية ومكافحة الجفاف لضمان الأمن الغذائى لشعوب القارة. وفى قطاعى الصحة والتعليم، غدت المبادرات الطبية المصرية لإرسال القوافل العلاجية، وتوطين صناعة الدواء، وبرامج بناء القدرات وتدريب الكوادر السمراء فى الجامعات المصرية، حجر الزاوية فى بناء الإنسان الإفريقي.
إن هذا الحضور الفاعل، والذى بلغت ذروته إبان رئاسة مصر للاتحاد الإفريقى عام 2019، يتقاطع مع رؤية المؤسسات الدولية، حيث تؤكد مديرة صندوق النقد الدولى أن إفريقيا هى «مستقبل النمو العالمى ومحرك الاقتصاد القادم»، لاسيما مع تفعيل اتفاقية التجارة الحرة القارية التى تدعمها مصر بقوة لرفع دخل الفرد وتعزيز الاستثمارات.
إن مصر، وهى تحتفى بيوم إفريقيا، لا تقدم هبات، بل تستثمر فى مصير مشترك، وتؤكد للعالم أن وحدة القارة وتكاملها الاقتصادى هما السبيل الوحيد لإصلاح النظام الدولى متعدد الأطراف وتحقيق العدالة التى تستحقها شعوبنا.









