فقه التضحية لا يقتصر على شعيرة الذبح
الأمل ليس ترفًا .. بل ضرورة حضارية
فى كل عامٍ يُهلّ علينا عيد الأضحى المبارك حاملاً معه رسالةً روحيةً وأخلاقيةً تتجاوز ظاهر الفرح إلى أعماق المعنى الحضارى، غير أن ثمة فارقًا جوهريًا بين احتفالات العيد فى الأزمنة العادية، وبين حلوله فى لحظاتٍ يتشابك فيها الألم مع الأمل، ويتعاظم فيها الإحساس بأن الأمة تمرّ بمنعطفٍ تاريخي.
يأتى العيد الكبير وقد امتدّ ظلّه من بيوت مصر إلى صعيدها، ومن قراها إلى مدنها الجديدة، ومن قلب القاهرة إلى أطراف الأقاليم، فى وقتٍ يعيش فيه إقليمنا حالةً وُصفت بأنها «سيولةٌ غير مسبوقة» وفق ما رصدته مراكز الدراسات الإستراتيجية المتخصصة.
ومع كل ذلك، يبقى العيد عيدًا، ويبقى الأطفال يحلمون بثياب جديدة، وتبقى الأمهات والجدات يجهّزن صوانى اللحم لتوزيعها على الجيران كما يفعلن على الدوام.
السؤال الذى ينبغى أن يُطرح فى مثل هذه الأيام ليس عن كيفية الاحتفال بالعيد؟»، وإنما عن الرسالة التى يحملها العيد لشعبٍ يحرس وحدته فى عالمٍ يتشظى؟»والإجابة عن هذا السؤال ليست ترفًا فكريًا، بل هى ضرورةٌ حضاريةٌ تفرضها مسئولية المؤسسات الدينية، والمفكرين، وكل بيتٍ مصريّ يصنع تربيته بيديه.
العيد فى الوجدان المصرى أعمق أن يكون مناسبة، فمن يتأمل علاقة المصرى بالعيد يدرك أن الأمر يتجاوز الشعيرة إلى الهويّة، فالعيد فى الوجدان المصرى ليس يومًا فى الحديقة، بل هو حالةٌ نفسيةٌ وروحيةٌ تتشكّل قبل قدومه بأسابيع، وتمتدّ بعد رحيله بأيام. هو الرائحة التى تتسرب من المطابخ قبل الفجر، وصوت التكبيرات الذى يرتفع من المساجد كأنه يُطمئن المدينة بأن فى القلب متّسعًا للفرح، ووجوه الأطفال وقد عُلّقت فى أيديهم العيدية الجديدة، ووقفة الأب أمام الحلّاق فى ليلة العيد كأنه يستعدّ لمهمّةٍ كبري.
عيد الأضحى فى مصر بالذات يحمل خصوصيةً مضاعفة، فهو العيد الذى يتقاطع فيه البُعد الدينى مع البعد الاجتماعى بشكل عضوى نادر، وهو عيد الذبيحة، والذبيحة فى الثقافة المصرية ليست مجرد لحْم، بل هى علاقةٌ متشعّبة: علاقة الأسرة بشعيرة الأبوّة، وعلاقة الجار بجاره، وعلاقة الميسور بالمحتاج، وعلاقة المدينة بالريف الذى يُمدّها بالأضاحي.
حين يقف ربُّ الأسرة فى صباح العيد ليُقسّم الأضحية أثلاثًا — ثلثا لأهله، وثلثا لأقاربه وجيرانه، وثلثٌا للفقراء — فإنه يُجدّد عقدًا اجتماعيًا قديمًا بين الأسرة المصرية وبين محيطها، عقدًا لم يُكتب فى وثيقة، لكنه نُقش فى الذاكرة الجمعية جيلًا بعد جيل.
ولعلّ ما يميّز العيد المصرى عما سواه، أنه عيدٌ شعبى بامتياز، فمن صلاة العيد فى ميدان مصطفى محمود، إلى تكبيرات المسجد الحسيني، إلى زحام الفسطاط فى صباح العيد، إلى أطفال الصعيد وهم يجوبون الحارات بثيابهم الجديدة، إلى موائد الإفطار التى تجمع العائلات الممتدّة فى بيوت الجدود — كل هذه المشاهد تُشكّل لوحةً واحدة عنوانها أن مصر، رغم كل ما يعصف بها وبالمنطقة، لا تزال تحتفظ بقدرتها العجيبة على صياغة الفرح من بساطة الأشياء.
فقه التضحية.. قراءةٌ متجدّدة
التضحية فى الإسلام ليست خسارةً كما يُتصوَّر، بل هى مبادلةٌ من نوعٍ خاص.. ترك المحبوب فى سبيل ما هو أعلى منه.. وهى ليست اختبارا لإيمان العبد فقط، بل لقدرته على ترتيب أولوياته، وحين فدى الله إسماعيل بذبحٍ عظيم، لم تكن الرسالة أن التضحية ليست مطلوبة، وإنما أن الله لا يريد الموت، بل يريد الاستعداد للحياة بقلبٍ خالصٍ لا يتعلّق بشيءٍ دون رضاه، وهنا تكمن المفارقة الأخلاقية الكبرى التى ينبغى أن يستحضرها كل بيت مصرى فى هذه الأيام: ثمة فارق شاسع بين التضحية بوصفها فداءً «وهى التى قدّمها إبراهيم» والتضحية بوصفها إسرافاً وهدرًا «وهى التى تُفرض على الأبرياء ظلمًا»، الأُوَلى مقدسة، تُعمّر القلوب وتُنبت الحضارات، والثانية مأساة، يجب أن تُرفض وتُقاوم بكل وسيلة مشروعة.
وعلى المستوى اليومي، فإن فقه التضحية لا يقتصر على شعيرة ذبح الأضحية، بل يمتدّ إلى كل تفاصيل حياتنا، تضحية الأمّ بساعات نومها من أجل ابنها الذى يستعد لامتحانات الثانوية العامة فى حرّ يونيو، وتضحية الأب الذى يعمل ليصرف على بيته، وتضحية الطبيب الشابّ فى المستشفيات، — كل هؤلاء يعيشون فقه إبراهيم فى صمت، والعيد يأتى ليُذكّرهم بأن ما يفعلونه ليس عبثًا، وأن السماء تُحصى خطواتهم
العيد وزكاة الفرح.. حين يكون الإحسان فريضةً اجتماعية
من أعمق ما يميّز شعيرة الأضحية فى الإسلام أنها توزيعٌ منظّمٌ للفرح، فالشريعة لم تكتفِ بأن تأمر بالذبح، بل قنّنت توزيع اللحم بصورةٍ تكفل أن يصل الفرح إلى كل بيت: ثلثٌ للأسرة، وثلثٌ للأقارب والجيران، وثلثٌ للفقراء، وهذا التقنين الإلهيّ ليس عشوائيًا، بل هو هندسةٌ اجتماعية دقيقة تضمن ألّا يكون الفرح حكرًا على فئة دون أخري.
وحين ننظر إلى هذا التشريع فى ضوء الواقع المصرى الراهن، ندرك حكمته البالغة، ففى وقتٍ تتصاعد فيه الضغوط الاقتصادية على الأسرة المصرية، يكتسب فقه التوزيع الجماعى للأضاحى أهميةً مضاعفة، فثمّة مبادراتٌ قام بها الأزهر الشريف ودار الإفتاء ووزارة الأوقاف وعشراتٌ الجمعيات الأهلية، تُوحّد جهود الميسورين فى «صكوك أضاحي» تُوزّع لحومها على من لا يجدون، وهذه المبادرات ليست تجاوزًا للشعيرة، بل هى تطويرٌ مؤسسى لمعناها الأصيل، يجعل من العيد فرصةً لإعادة بناء جسور التراحم فى المجتمع.
ولعلّ من أجمل ما تبقّى من تقاليد العيد فى القرى المصرية تلك العادة العريقة التى تجعل من بيت الأضحية بيتًا مفتوحًا فى صباح العيد، فالجيران يدخلون، والأطفال يتجمعون من أبوابٍ كانت مغلقة، والمصالحات تُعقد بين خصوماتٍ ربما امتدّت شهورًا، وهذه ليست تفاصيل صغيرة، بل هى ممارسةٌ شعبية لفقه عميق: أن صلة الرحم، والعفو عند المقدرة، وإطفاء العداوات، ليست شعاراتٍ على المنابر، بل هى أفعالٌ يومية يُمكن أن تتحقّق حول طبق لحمٍ مشترك.
الأسرة المصرية..خليّة المجتمع الأولى فى امتحان العصر
يأتى العيد هذا العام والأسرة المصرية تواجه جملةً من التحديات التى تمسّ تماسكها الداخلي، ضغوط المعيشة، وتعقيدات سوق العمل، وانشغال الأبناء بالشاشات الصغيرة، وانفصال الأجيال بسبب الهجرة الداخلية من القرى إلى المدن أو من المدن إلى الخارج — كل ذلك يجعل من لحظة الجلوس الجماعى حول مائدة العيد لحظةً ثمينةً تحتاج إلى استثمار، والعيد فى جوهره مناسبةٌ لإعادة تجديد ميثاق الأسرة، فحين يجتمع الأحفاد حول الجدّ فى بيت العيلة الكبير، وحين تجلس الجدّة لتروى حكايات لم يسمعها الصغار من قبل، وحين تخرج ألبومات الصور القديمة فيتعرّف الأبناء على أعمامهم وخالاتهم — فى كل ذلك تتشكّل ذاكرةٌ عائلية تحصّن الفرد ضد ضياع الهوية فى زمنٍ تتقاذفه رياح العولمة.
ولعلّ مما يستحق التأمّل أن صلة الرحم فى الإسلام ليست عاطفةً مستحبّة، بل فريضةٌ شرعية تترتّب عليها وعودٌ ربانية بالبركة فى العمر والرزق، وقد جعلت السُنّة النبوية للقاء الأقارب فضلًا خاصًا فى الأعياد، حتى إن العلماء عدّوا زيارات العيد من السنن المؤكدة، وهذا التشريع يحمل فى طيّاته فلسفةً اجتماعية متكاملة: أن المجتمع لا يُبنى من أفرادٍ معزولين، بل من أسرٍ مترابطة، وأن الأسرة لا تتماسك إلا حين تُفتح أبوابها على الأقارب والجيران فى مواسم الفرح..ومن المهم فى هذا السياق أن نُذكّر الآباء والأمهات بأن الأطفال لا يتعلّمون قيم التضحية والإيثار من المحاضرات، بل من المشاهدة، فحين يرى الطفل أباه يُقسّم الأضحية بكفّيه، ويرسل نصيب الجار قبل نصيبه، ويذْكُر اسم جدّه المتوفّى فى الدعاء — حين يرى الطفل ذلك، فإنه يتعلّم درسًا فى الأخلاق لا يمكن أن تُقدّمه له أى مدرسة، هذه هى التربية بالأثر، وهى التربية الأعمق التى تشكّل وجدان الأجيال.
مسؤولية الميسورين تجاه المحتاجين
من أعمق المعانى التى يحملها عيد الأضحى أنه عيدٌ يقوم على إعادة توزيع الموارد، فالشريعة حين أوجبت الأضحية على من يستطيع، وربطت بين الفرح الفردى والإطعام الجماعي، إنما كانت تُقرّر مبدأً عظيمًا: أن الفرح الحقيقى لا يكتمل إلا حين يُشارك فيه المحتاج، وفى مجتمعنا المصري، حيث لا تزال الفروق الاقتصادية واسعة بين الفئات، يكتسب هذا المعنى أهميةً قصوي، وعلى الميسورين أن يدركوا أن أضحيتهم ليست شعيرةً فرديةً يقومون بها لإسقاط الفريضة، بل هى مسؤوليةٌ اجتماعيةٌ شاملة تشمل جيرانهم، وعمّال البناء فى عماراتهم، وحرّاس مدارس أولادهم، وعمّال نظافة شوارعهم، هؤلاء جميعًا لهم حصةٌ فى فرح العيد، لأنهم جزءٌ من المنظومة الإنسانية التى تُمكّن الميسور من ميسرته، وتأتى أهمية المؤسسات الخيرية المصرية التى تعمل على مدار العام، وجميعها تُقدّم فرصةً لمن يريد أن يجعل من أضحيته فعلًا حضاريًا ممتدًا، وحين يُسهم المصرى فى أضحيةٍ تذهب لأطفال ملاجئ الأيتام، أو لكبار السنّ فى دور المسنّين، أو لأسر المرضى الفقراء فى مستشفيات الأورام، فإنه يحوّل لحظةً عابرة إلى مشروعٍ إنسانيّ مستدام.
العيد فى زمنٍ الحرب
لا يمكن لأحدٍ أن يتجاهل أن العيد هذا العام يأتى والمنطقة العربية تشهد ما لا تستطيع شاشات التلفزيون أن تُخفيه: جراحٌ مفتوحة فى غزة، وكارثة إنسانية تتفاقم فى السودان مع تحذيرات أممية من أن نحو عشرين مليون إنسان يواجهون جوعًا حادًا، واضطراباتٌ مستمرة على الحدود اللبنانية، وآثارٌ لا تزال طازجة من الحرب التى شهدتها المنطقة فى الأشهر الأخيرة، وقد قامت مصر بدورها التاريخى فى الوساطة والتهدئة، وفتحت معابرها للمساعدات، ودعمت حلّ الدولتين بثباتٍ يليق بثقلها الحضاري، غير أن المسؤولية فى مثل هذه اللحظات لا تقع على الدولة وحدها، بل على كل بيتٍ مصرى فحين يرفع الأب يديه فى دعاء صلاة العيد، عليه أن يَذكر إخوته فى غزة وفى السودان وفى كل أرضٍ تعانى وحين تُقسَّم الأضحية، فإن من معانى العيد الكبرى أن يصل جزءٌ من هذا الفرح، ولو رمزيًا، إلى مَن لا يستطيعون اليوم أن يحتفلوا، وقد فتحت مؤسسات الخير المصرية أبوابها للتبرع بصكوك الأضاحى التى تُذبح وتُوزَّع لحومها على المنكوبين فى الأقاليم العربية المجاورة، وهذا من أعمق معانى التكافل الإسلامى فى زمن الأزمات، ولكنّ الرسالة الأهمّ التى ينبغى أن يحملها كل مصرى فى قلبه وهو يستقبل العيد هى أن مصر، بكل ما تواجهه من تحديات، تظلّ صمّام أمانٍ للمنطقة، وأن دورها الدينى والإنساني، الذى تمثّله مؤسسات: دار الإفتاء والأزهر الشريف ووزارة الأوقاف، هو امتدادٌ طبيعى لدورها التاريخى بوصفها منارة الاعتدال فى عالمٍ يحتاج إلى الحكمة أكثر من حاجته إلى السلاح.
ومسؤولية المؤسسة الدينية
تتضاعف مسئولية المؤسسة الدينية فى توجيه الوجدان الجمعى نحو الأمل والبناء، بدلًا من الانزلاق نحو ثقافة اليأس أو التهييج، وهذه المسؤولية ليست خطابةً عابرة على المنابر، بل هى مشروعٌ متكامل يستلزم خطابًا دينيًا منهجيًا يستوعب تحولات العصر، ويتحدّث بلغةٍ يفهمها الشاب الذى يقضى ساعاته على هاتفه، والمرأة التى تجمع بين أعباء البيت والعمل، والكهل الذى يبحث عن معنيً لما يُحيط به، والنموذج الذى قدّمته دار الإفتاء المصرية على مدار السنوات الأخيرة، بوصفها أحد أذرع الأزهر الشريف، يقوم على ركيزتين: الوضوح الشرعيّ فى تحديد الموقف الدينى الصحيح، والجرأة فى مواجهة خطابات التشكيك والتطرف والتضليل، وهو نموذجٌ ينبغى أن يتعمّق فى كل منبرٍ وكل قناةٍ دينية، بحيث يخرج الخطاب الدينى المصرى من دائرة الفتاوى الفردية إلى دائرة صياغة الوعى الجمعي.
ومن أعظم ما يُحسب لمؤسساتنا الدينية أنها لم تقع فى فخّين كثيرًا ما يقعان فيهما الخطباء حول العالم: فخّ التهوين الذى يُسلّى الناس بعبارات من قبيل «هذا ابتلاء سيزول دون عمل»، وفخّ التهييج الذى يستغلّ الأزمات لإشعال الغضب. وبين هذين الفخّين، ثمة طريقٌ ثالثٌ هو طريق الخطاب الدينى الواعي: ذلك الذى يعترف بصعوبة المرحلة دون أن ييأس، ويُحرّك الإرادة دون أن يُشعل النيران.
رسالةٌ للشباب
ربما تكون أكثر الفئات احتياجًا لرسالة العيد هذا العام هى فئة الشباب، فأبناؤنا الذين وُلدوا فى زمن السوشيال ميديا، والذين يرون يوميًا على شاشاتهم صور الدمار والألم، يحتاجون إلى من يُذكّرهم بأن المستقبل ممكن، وأن الأمل ليس سذاجة، وأن أمتهم مرّت بمحنٍ أعتى مما يرونه اليوم، ونهضت فى كل مرة لأنها لم تسمح لليأس بأن يكون الكلمة الأخيرة، ومن أبلغ ما يمكن أن يُقال للشاب المصرى فى هذه الأيام: أنت لست وحدك، وأنك تنتمى إلى أمةٍ أوقفت الزحف المغوليّ فى عين جالوت، وأحيت العلوم فى أحلك أيامها، وحملت رسالة الإسلام إلى أربع قاراتٍ بالحوار والمعاملة الحسنة لا بالسيف، وأن ما تشعر به من ضيقٍ تجاه المستقبل ليس حكمًا نهائيًا، بل هو مرحلةٌ من مراحل التشكّل التى يعرفها كل جيلٍ شابٍ فى كل زمن، وأن الخطوة الأولى نحو الأمل هى أن تتحوّل من مستهلكٍ للأخبار إلى صانعٍ للأفعال الصغيرة فى مجالك ومحيطك، والعيد فرصةٌ ذهبية لإعادة هذه الرسالة، وحين يجلس الشاب مع جدّه فى صباح العيد، ويسمع منه قصصًا عن الصبر فى زمنٍ مضي، فإنه يكتسب رصيدًا نفسيًا لا تستطيع أى وسيلة تواصلٍ اجتماعى أن تمنحه إيّاه. وحين يُساهم الشاب بيديه فى توزيع الأضاحي، أو فى تجهيز موائد الفقراء، فإنه يتعلّم أن القيمة الحقيقية للإنسان لا تكمن فيما يأخذ، بل فيما يُعطى.
ختامًا..الأمل ليس ترفًا، بل واجبٌ حضارى
قد يبدو الحديث عن الأمل وسط ما نراه من تحوّلات نوعًا من الترف الفكري، لكن الحقيقة أن الأمل ليس ترفًا، بل ضرورةٌ حضاريةٌ لا غنى عنها، فالأمم التى يسودها اليأس لا تستطيع أن تنتج مستقبلاً، لأن اليأس يُنضب طاقة الفعل، ويُشلّ الإرادة الجمعية، ولعلّ من أبلغ ما يُحضرنا فى هذا السياق أن النبيّ ﷺ فى أحلك لحظات المحنة، حين كان الصحابة فى الخندق وقد «بلغت القلوب الحناجر»، لم يكن يُسليهم بكلامٍ عابر، بل كان يرسم لهم خريطة المستقبل، فيُبشّرهم بفتح فارس والروم واليمن، و لم يكن النبيّ يتجاهل الألم، بل كان يَعْرِف أن القلوب حين تتمسّك بالأمل، تجد فى نفسها طاقةً على الفعل لا تجدها حين تستسلم لليأس.
إن عيد الأضحى هذا العام، بكل ما يحمله من معانٍ، يدعونا جميعًا، أفرادًا، وأسرًا، ومؤسساتٍ إلى إحياء فقه الأمل وفقه التضحية معًا، ذلك الفقه الذى يجمع بين الاعتراف الصادق بصعوبة المرحلة، والإيمان الراسخ بإمكانية تجاوزها. بين الحزن على الجراح والعزيمة على الشفاء. بين ثقل الحاضر واستشراف المستقبل بعيونٍ مفتوحةٍ وقلوبٍ حيّة.
فلنجعل من العيد نقطة تحوّلٍ فى خطابنا الدينى والوجداني: خطابًا يُفرّق بين الاستسلام للألم والاعتراف به، وبين التهوين من الأزمة وامتلاك القدرة على تجاوزها، وأن الرحمة أقوى من الكراهية، والبناء أصمد من الهدم، والأمل حين يكون واعيًا وعاملًا هو الوقود الحقيقى لكل نهضة، وكل حضارة، وكل إنسانٍ يأبى الاستسلام، وأن مصر، بأهلها وبتاريخها وبروحها، أكبر من كل تحدٍّ، وأعمق من كل أزمة، وأبقى من كل لحظةٍ عابرة.









