أسس الرسول صلى الله عليه وسلم ــ فى حجة الوداع ــ يوم عرفة وفى خطبته المشهودة دستوراً جامعاً لكل القيم والمبادئ الأخلاقية والتشريعية فى الإسلام، كما أرسى قيماً ومقاصد أساسية لإصلاح المجتمعات الإسلامية فى كل أصقاع الأرض وسيظل هذا الدستور وثيقة خالدة إلى يوم أن يرث الله الأرض ومن عليها.
عالج فيها صلى الله عليه وسلم ــ العديد من العادات التى تتنافى مع مبادئ الإسلام ومنها تحريم الدماء والأعراض فجعل الاعتداء على النفس البشرية بغير حق من أكبر الكبائر ويستوجب أشد العقوبات فى الدنيا والآخرة، لقوله تعالي: «من قتل نفساً بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً» كانت الحروب بين العرب قبل الإسلام لا تتوقف بأسباب واهية حيث كانت تراق فيها الدماء ومن أشهرها حروب البسوس التى استمرت 40 عاماً بين قبيلتى بكر وتغلب ــ والتى اندلعت بسبب مقتل ناقة لامرأة تدعى البسوس مما أدى إلى صراع دموى طويل.. وكذلك حرب «داحس والغبراء» والتى اندلعت بسبب خلاف على رهان سباق خيل واستمرت لسنوات طويلة، وحرب الفجار وسميت بذلك لأنها وقعت فى الأشهر الحرم ودارت بين قبائل قريش وكنانة من جهة وقيس وعيلان من جهة أخرى شارك فيها النبى صلى الله عليه وسلم ــ قبل بعثته مدافعاً عن قومه.. وعلى إثرها انعقد حلف الفضول الذى عقد فى دار ابن جدعان وشهده النبى صلى الله عليه وسلم.
أول ما نهى عنه صلى الله عليه وسلم ــ حرمة الدماء فقال: «أيها الناس إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا فى شهركم هذا فى بلدكم هذا، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلغت».
جاء الإسلام ليحرم الاعتداء على النفس صيانة لها وحفاظاً على حياة الإنسانية تكريماً لها، وجعل قتل النفس الواحدة كقتل جميع الناس مبالغة فى تعظيم أمر القتل الظلم وتفخيماً لشأنه لقوله صلى الله عليه وسلم: «لن يزال المؤمن فى فسحة من دينه، ما لم يصب دماً حراماً» وقال: «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق».
من عظمة الإسلام أن جعل حرمة الدماء ليست قاصرة على المسلمين فحسب، بل تشتمل غير المسلمين من المعاهدين والذميين والمستأمنين، لقوله صلى الله عليه وسلم «من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً».
لقد بلغ حفاظ الإسلام على النفس مبلغاً عظيماً، ليتبين أن الإنسان لا يملك روحه التى بين جنبيه فهى ملك لخالقه وبذلك حرم قتل النفس بيد صاحبها وتوعد فاعل ذلك بالعذاب الأليم قال صلى الله عليه وسلم: «من قتل نفسه بحديدة فحديدته فى يده يتوجأ بها فى بطنه فى نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بسم فسمه فى يده يتحساه فى نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى فى نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً».
النص الذى تضمنته الوثيقة النبوية يوجه نداءً للمتشددين الذين يفجرون المقدسات الإسلامية وغيرها من الإرهابيين باسم الدين أن هذا العمل يتنافى ومبادئ الإسلام.. وكذلك الذين يقتلون الناس من المسلمين وغيرهم بحجة الثأر الإسلام بريء منهم لأن القصاص تقع مهمته على ولى الأمر وإلى الذين يقتلون الناس بسبب الأطفال وربما رش المياه بالشارع أو بسبب ضائقة مالية أو رسوب فى الامتحان أو غير ذلك.. كفانا دماء لنعيش فى سلام.









