جميع المؤشرات والمعطيات كانت ومازالت تقول إن أمريكا لا تريد العودة للحرب مع إيران.. وتراها مأزقاً قد يتطور إلى مستنقع.. أسباب كثيرة وراء ذلك.. فإذا كان رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو يتعطش للدم ويعيش على الحروب والصراعات والخراب والدمار ولا يبحث سوى عن استمراره فى منصبه، فإن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب يعانى ورطة ومأزقاً بسبب قرار الحرب أولاً، والاستمرار فيها أو حتى تجميد الصراع مع إيران بما فى ذلك من نتائج وتداعيات خطيرة على الولايات المتحدة الأمريكية، سواء فى الداخل الأمريكى أو على مستوى اقتصادها أو الرفض الشامل لدول المنطقة لهذه الحرب والدعم الصيني- الروسى لإيران مهما تجملت التصريحات السياسية والدبلوماسية وبدت محايدة.. إلا أن المصالح الخاصة لموسكو وبكين ترفض انتصار واشنطن فى الحرب ضد إيران، والأفضل لهما الخسارة والهزيمة الأمريكية أو سقوطها فى مستنقع الاستنزاف، وهو الأمر الذى بدأ ترامب يدركه جيداً.
كلما زار مسئول باكستانى رفيع المستوى طهران من أجل التفاوض للوصول إلى اتفاق مع واشنطن، تعالت تصريحات وتهديدات ترامب لإيران.. تهديدات ليست جادة وغير واقعية، هدفها الوحيد التخويف وممارسة الضغط على إيران، التى أدركت ذلك تماماً وبدأت فى العناد وفرض الشروط والتصلب أمام الشروط الأمريكية، حتى وصف مستشار ألمانيا فريدرش ميرتس بأن الإيرانيين أهانوا الأمريكان خلال المفاوضات فى إسلام آباد بباكستان.. لذلك فى ظل تصريحات ترامب المتناقضة ما بين التصعيد والتبشير بقرب الاتفاق وأنه فى اللمسات الأخيرة، نكتشف ضعف الموقف الأمريكى فى هذه المواجهة وعدم الرغبة فى العودة للحرب، وأن التهديدات الترامبية ما هى إلا محاولة لحفظ ماء الوجه الأمريكى بعد تعرض واشنطن لفشل كبير وقرار وتقديرات وحسابات خاطئة أدت إلى نتائج كارثية عرضت هيبة أمريكا خاصة العسكرية لهزة عنيفة.. فيكفى أن نقول إنه تمت إقالة أكثر من 20 قيادة عسكرية دفعة واحدة من الجيش الأمريكى أبرزهم رئيس الأركان، وقائد القوات البحرية بسبب الحرب على إيران، ومواقف هؤلاء القادة من التقديرات الخاطئة لهذه الحرب والانسياق وراء أوهام ورغبات نتنياهو المريضة.
أمريكا لا تريد الحرب.. بل تريد الانسحاب من هذا المأزق بما يحفظ ماء الوجه، حتى وإن كان عبر الترويج لنصر لم يحدث وأهداف لم تتحقق.. فنحن على بُعد أشهر قليلة من انتخابات التجديد النصفى وتحديداً فى شهر نوفمبر المقبل، والجمهوريون فى موقف لا يحسدون عليه وتراجع شعبية ترامب فى الداخل الأمريكى بسبب الضغوط الاقتصادية وإدراك الأمريكيين أنها ليست حرباً تخدم بلادهم، بل هى حرب إسرائيلية تسببت فى معاناة اقتصادية وضغوط حياتية على الشعب الأمريكى بسبب ارتفاع أسعار النفط ومتطلبات الحياة.. لذلك يريد ترامب إيقاف وإنهاء الحرب بأى طريقة، كما أن الولايات المتحدة تستضيف بطولة كأس العالم لكرة القدم الشهر المقبل، وكذلك فإن العودة للحرب أو استمرارها دون حسم وتجميد الموقف وبقاء الحصار البحرى الأمريكى وإغلاق مضيق هرمز سوف يزيد من أوجاع العالم بأكمله، وأيضا يزيد معاناة الأمريكيين لأنه سيرفع أسعار النفط إلى مستويات كبيرة تؤثر على كل شيء يتعلق بالإنسان.. أيضا هناك مخاوف أمريكية من العودة للحرب بسبب عدم القدرة على تحقيق أهدافها سواء إسقاط النظام الإيراني، أو القضاء على البرنامج النووى واليورانيوم المخصب، ثم العجز عن فتح مضيق هرمز، خاصة أن تحليلات العسكريين وصفت اللجوء لعمليات عسكرية لفتح المضيق بالقوة أمر معقد ويحتوى على مخاطر كبيرة، ناهيك عن تعرض القوات الأمريكية سواء فى القوات الأمريكية أو فى البحر إلى ضربات صاروخية وهجوم بالمسيرات الإيرانية ستؤدى إلى خسائر لا تليق بأقوى جيش فى العالم، ويكفى الحديث عن استهداف مقاتلات شبحية أمريكية من طراز «إف- 15» وواحدة «إف- 35» وطائرات تزود بالوقود وصلت إلى ثمانى طائرات، وطائرات المراقبة والإنذار المبكر ومسيرات أمريكية متقدمة، وحديث عن إصابة حاملات طائرات.. إن إسرائيل أدركت الحجم الهائل للخسائر التى تكبدتها ونجاح الصواريخ والمسيرات الإيرانية فى الوصول إلى أهداف عسكرية واقتصادية وإستراتيجية حساسة، وأدركت أنها لا تقوى على الاستمرار فى ذلك، فى ظل فشل الصواريخ الدفاعية فى منظومة القبة الحديدية فى التصدى للصواريخ والمسيرات الإيرانية.
أمريكا لا تريد العودة للحرب، وهى أكثر رغبة فى الوصول لاتفاق ينهى هذه الحرب.. لذلك فإن مذكرة التفاهم وما بها من بنود قد ترجح كفة إيران، خاصة حينما يتعلق بالإفراج عن الأصول والأموال المجمدة واستئناف تصدير النفط الإيرانى ورفع الحصار عن موانئ إيران، وهو ما يخدم أيضا تراجع أسعار النفط فى حال الاتفاق، وأيضا يعتبر تراجعاً فى الموقف الأمريكى وإنعاشاً للاقتصاد الإيراني، وأيضا ما أكدته وكالة «تسنيم» الإيرانية أنه لم يتم التطرق إلى البرنامج النووى وتخصيب اليورانيوم وسيجرى التفاوض حولهما خلال هدنة مدتها 60 يوماً.. وفى ظنى أيضا أن طهران لن تقوم بتطهير مضيق هرمز من الألغام إلا بعد الاتفاق النهائي، مع التأكيد أن حرية الملاحة فى المضيق ستعود.. وبدأ بالفعل انتقاد الاتفاق الأمريكي- الإيرانى من الداخل الأمريكي، خاصة وزير الخارجية الأسبق مارك بومبيو، الذى أوحى بأنه انتصار لإيران، ورد عليه نائب وزير الخارجية الأمريكى.. وهذا يكشف عن تنازلات وتراجع فى المواقف الأمريكية لوجود رغبة قوية للوصول لاتفاق والخروج من هذا المأزق.
مصر والدول الكبرى الأخرى فى المنطقة لا تريد الحرب وتبذل جهوداً مكثفة للوصول إلى اتفاق عبر السياسة والدبلوماسية والتفاوض، وهو ما أبرزه وأكده الاتصال التليفونى المشترك الذى شارك فيه الرئيس عبدالفتاح السيسي، وجمع قادة عدد من الدول العربية والإقليمية والرئيس الأمريكى دونالد ترامب.. الرئيس السيسى أكد أهمية وضرورة استثمار النافذة الدبلوماسية المتاحة للتوصل إلى تسوية سلمية تسهم فى الحفاظ على السلم والاستقرار الإقليميين والدوليين.









