أتابع تفاصيل تلك المعركة الدائرة بين فريقين حول ملف «الكلاب الضالة» وكيفية التعامل معها، كلا الفريقين يقدم نفسه على أنه عنوان الحق والحقيقة، الفريق الذى يدافع باستماتة عن حق الكلاب فى الوجود دون مضايقات ينظر إلى الملف من زاوية حقوق الحيوان وضرورة الرأفة به والعناية به وصولاً إلى مرحلة «الرفق الشكلى» وهو ظهور وانتشار صور عديدة لمن يُقبلون الكلاب من أفواهها وكأنها رسالة مكايدة للفريق الآخر، والفريق الآخر الذى يرى ان الموضوع يحتاج إلى تنظيم وإدارة وحوكمة الأساس فيها هو حق الإنسان اولا فى العيش فى أمان وبعيدا عن مخاطر العقر والهجمات المعتادة من الملاذ الضالة وأعضاء هذا الفريق يطلق على الفريق الآخر «الكلبجية» ربما تندرا وسخرية، وصولا إلى قيام بعضهم بوضع السم للكلاب الضالة أو طلق النار عليهم فى صورة من صور التحدى للفريق الآخر، لكن الحقيقة هذا السجال أقلقنى جدا، رغم ان البعض قد ينظر اليه على انه يعكس حيوية المجتمع، لكن الحقيقة ان اختلاف وجهات النظر فى مصر بات غريبا وعجيبا ومقلقا، الجميع متوتر وعصبى ولا يقبل الطرف الآخر ويعادى من يحمل أفكارا مغايرة، قضايا عديدة كان يمكن ان تفتح الباب لحوارات حضارية بين اصحاب الرؤى والآراء، لكن الجديد أننا نجد رفضاً تاماً لكل رأى مخالف وتصل الحالة إلى مناطق خطيرة من الهجوم على الآخر والسخرية منه بل وتخوينه، قضايا وملفات عديدة أمامى أجد فيها أصحاب الآراء يتقاتلون عبر رسائل التواصل الاجتماعى متنابزين وصولا إلى ما يمكن ان نطلق عليه تجاوزا «الشرشحة عبر المنصات الرقمية» ملفات اللاجئين وقانون الإيجار وقانون الأحوال الشخصية وموضوع الكلاب والقطط إلى آخر هذه الملفات التى تصنع تصدعات عميقة فى جذر البنيان الاجتماعى بشكل شديد الخطورة، أعود إلى ملف الكلاب، فرغم تضارب التقديرات بشأن أعداد الكلاب الضالة فى مصر، فإن أغلب الأرقام تشير إلى وجود ملايين الكلاب المنتشرة فى المدن والقرى، وهى ظاهرة لا يمكن التعامل معها بالصراخ أو الانفعال أو الدعوات العشوائية للإبادة. العالم تجاوز منذ سنوات فلسفة القتل الجماعى، بعدما أثبتت التجارب أن القضاء الكامل على الكلاب لا يحل الأزمة بل يخلق فراغًا بيئيًا خطيرًا تملؤه القوارض والزواحف والحيوانات الأكثر شراسة. لذلك تتجه الدول الحديثة إلى برامج التعقيم والتطعيم وتنظيم التكاثر وإنشاء مراكز الإيواء، باعتبار أن الكلاب جزء من التوازن البيئى ودورها يتجاوز الصورة التقليدية المرتبطة بالخوف أو الإزعاج. المعادلة الحقيقية ليست فى الترك المطلق والتدليل أو إعلان الحرب على الحيوان وصولا إلى تسميمها، وإنما فى إدارة علمية تحقق أمن الإنسان وتحافظ فى الوقت ذاته على توازن الطبيعة وصحة المجتمع، وهذا التوازن ليس مسئولية الناشطين او المعارضين لهم وانما هى مسئولية الدولة.









