يعيش المسلمون فى مشارق الأرض ومغاربها غدًا يومًا استثنائيا فى تاريخ الدعوة الإسلامية، بل تاريخ البشرية كلها ألا وهو يوم التجلى الأعظم يوم الحج الأكبر حيث يتجلى الله سبحانه وتعالى على الحجيج فى عرفات يباهى ملائكته بهم، وهو ما جاء فى الحديث النبوى «إنَّ اللهَ تعالَى يُباهى بأهلِ عرفاتٍ ملائكةَ السَّماءِ ، يقولُ : «انظروا إلى عبادى ، أتَوْنى شُعثًا غُبرًا من كلِّ فجٍّ عميقٍ ، أُشهِدُكم أنِّى قد غفرتُ لهم».
وهو اليوم الذى نزل فيه بيان اكتمال الدين الذى ارتضاه الله للبشر منذ سيدنا آدم عليه السلام حتى اللبنة الأخيرة فى البناء العظيم سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه الذى قال «مَثَلى ومَثَلُ الأنبياءِ مِن قَبلى كمَثَلِ رَجُلٍ بَنى بُنيانًا فأحسَنَه وأجمَلَه، إلَّا مَوضِعَ لَبِنةٍ مِن زاويةٍ مِن زَواياه، فجَعَلَ النَّاسُ يَطوفونَ به ويَعجَبونَ له ويقولونَ: هَلَّا وُضِعَت هذه اللَّبِنةُ، قال: فأنا اللَّبِنةُ، وأنا خاتَمُ النَّبيِّينَ».
ففى ذلك اليوم نزلت البشرى العظيمة للمؤمنين بالاطمئنان على دينهم ألا ينال منه أعداؤه بل يصبح أعداؤه عدة فى انتشاره والتمسك به والثبات عليه من خلال مهاجمته فيدفعون من لا يعرفونه إلى البحث عن حقيقته ويدفعون أبناءه إلى الإصرار عليه والتمسك به ويدفعون من يرون هذا الإصرار لأبنائه عليه إلى محاولة التعرف عليه فيؤمنون به بل يؤمن به كثير ممن سعى للبحث عن سلبياته ليهاجم أتباعه بها فيفاجأ بأنه الدين الحق .
فبينما يقف النبى صلوات الله وسلامه عليه والمسلمون بعرفة نزل قوله تعالى: «الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا» وهو ما اندهش له أهل الأديان الأخري، فلم يروا فى نصوصهم الدينية مثل ذلك فقد روى عن سيدنا عمر بن الخطاب أن رجلا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين، آية فى كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا. قال: أى آية؟ قال: «اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا» (المائدة: 3) فقال سيدنا عمر: «قد عرفنا ذلك اليوم، والمكان الذى نزلت فيه على النبى صلى الله عليه وسلم، وهو قائم بعرفة يوم جمعة».
إنه يوم اليأس من القضاء على هذا الدين واليأس هنا يتعلق بحقيقة استمرارية هذا الدين وثباته واحتفاظه بثوابته ومقوماته إلى يوم القيامة دون تغيير أو تبديل مهما حاول أعداؤه ومهما حاربه الكارهون لذا ليس غريبًا أن تمتد الحرب عليه منذ ظهوره -ليكتمل به دين الله الذى ارتضاه للبشر- حتى يومنا هذا دون هوادة أو توقف فى أشكال كثيرة تتصور أنها قد تنال منه لكنها لا تستطيع لأن الله سبحانه قضى بذلك.
فى هذا اليوم الذى بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن صومه من شأنه أن يغفر السنة الفائتة للصائم والسنة القائمة.
وهو يوم اكتمال الدين لذا كانت خطبة يوم عرفة التى خطبها الرسول صلوات الله وسلامه عليه هى بحق خطبة الوداع كما سماها العلماء وكانت بمثابة تلخيص لما جاء به ونزل به الوحى وتأكيد على قيم كبرى لا يجوز للمسلمين أفرادا أو دولاً إغفالها وتمثلت هذه القيم فى حرمة الدماء وحرمة الأموال وحرمة الربا وكذلك حرمة الأشهر الحرم والتوصية بالنساء، كما كانت درسا عمليًا فى كيفية إقرار القيم العليا وإقناع الآخرين بها من خلال إلزام النفس بها أولاً، فعندما أعلن صلى الله عليه وسلم أن ما كان من دماء فى الجاهلية موضوعة أى كأنها لم تكن قال وإن أول دم أضعه دم بن الحارث بن عبد المطلب أى بدأ بنفسه فتنازل عن الثأر لعمه وعندما أعلن حرمة الربا قال وإن أول ربا أضعه ربا العباس والعباس عمه».









