فى توقيت بالغ الأهمية، جاء منذ ايام حكم محكمة النقض «27198 لسنة 95 ق» ، بشأن بطلان الإعلانات القضائية المعيبة وإغفال الرد على الدفاع الجوهرى بها. هذا الحكم فتح الباب أمام آلاف المتقاضين الذين صدرت ضدهم أحكام فى غيبتهم، ولم تكن لديهم فرصة حقيقية للدفاع عن أنفسهم.
تذكرت فور قراءتى لمنطوق الحكم وحيثياته صديقا قديما لى، استيقظ ذات صباح ليجد نفسه مطلوبا لتنفيذ أحكام نفقة ومتجمدات بالآلاف، وثلاثة أشهر حبس، وحكم تمكين من الشقة. لكن الصدمة الكبرى لم تكن فى الأحكام نفسها، بل فى الطريقة التى صدرت بها.. لجأت زوجته إلى التكتيك الشهير فى أروقة المحاكم، المعروف باسم «الإعلان الأمريكاني».
وهذا الإعلان، لمن لا يعرفه، هو أحد أخطر أشكال التحايل الإجرائي؛ حيث يُكتب فى خانة العنوان مكان قديم أو غير حقيقي، أو يتم إرسال الإعلان إلى عنوان يعلم الجميع أن صاحبه تركه منذ سنوات، وأحياناً يذهب الإعلان إلى العنوان الصحيح لكن يتم التأشير عليه بعبارة «لم يتواجد»، لينتهى الأمر بإعلان «فى مواجهة النيابة»، بينما الشخص نفسه لا يعلم شيئاً عن الدعوى.
أتذكر وقتها أن صديقى ظل يردد جملة واحدة: «أنا أول مرة أعرف إن عندى قضية أصلا» ً!
عندما سأل المحضر أثناء التنفيذ قائلاً: «أنا ماعرفش أى حاجة عن الأحكام دى»!
ابتسم المحضر بمنتهى البرود وقال: «الإعلان تم يا أستاذ»
هكذا ببساطة.تعاملت الزوجة مع القضية وكأنها صفقة سريعة، مستغلة غيابه الكامل للحصول على أحكام وصيغ تنفيذية.
أذكر أيضاً صديقاً آخر دخل فى خلاف تجارى مع شريك قديم، وفجأة اكتشف صدور أحكام ضده بالحبس وتجميد بعض تعاملاته البنكية بسبب دعاوى أُعلنت على عنوان لم يره فى حياته. وظل فترة داخل السجن حتى استطاع إثبات بطلان الإجراءات وإلغاء الأحكام.
الحقيقة المؤلمة أن بعض المتقاضين ـ رجالاً ونساءً ـ استغلوا هذه الثغرات الإجرائية بصورة أضرت بمبدأ العدالة.
المحكمة أكدت بوضوح أن الإعلان القضائى ليس إجراء شكليا يمكن العبث به، بل هو ضمانة أساسية من ضمانات العدالة، وأن الحكم الذى يُبنى على إعلان باطل يظل حكماً معيباً مهما بدا صحيحاً فى ظاهره.
وهنا تحديداً تكمن قيمة الحكم.لأن آلاف الأشخاص كانوا يشعرون أن بعض الأحكام تعتمد فقط على «إعلانات استوفت الشكل» أمام المحكمة، وكأنها إجراءات روتينية سريعة، دون مراجعة دقيقة لصحة الإعلان أو الكيفية التى تم بها، لتصدر أحكام خطيرة فى غفلة كاملة من أصحاب الشأن.
ربما يفتح هذا الحكم الباب أمام كثيرين لإعادة النظر فى أوضاع قانونية صدرت فى ظل إعلانات مشكوك فى صحتها.
طبعاً سألت أحد كبار رجال القضاء عن دلالة الحكم، فكان رده مختصراً وحاسماً:
أن هذا الحكم يبعث برسالتين واضحتين.
الأولى للمحاكم:
ضرورة التدقيق الحقيقى فى صحة الإعلانات، والرد على الدفوع الجوهرية، خاصة الدفع ببطلان الإعلان أو صوريته.
والرسالة الثانية للمتقاضين:
أن التحايل الإجرائى قد يحقق مكسباً مؤقتاً، لكنه لا يصمد طويلاً أمام رقابة محكمة النقض.
القيمة الحقيقية لهذا الحكم لا تكمن فقط فى إلغاء حكم أو تصحيح إجراء، بل فى إعادة الاعتبار لفكرة مهمة جداً:
التلاعب، مهما نجح مؤقتاً، لا بد أن يسقط فى النهاية أمام عدالة حقيقية تعرف كيف تفرق بين صحة الإجراءات وروح العدالة.









